الرئيسيةالبياناترأيمحاكمة عاطف نجيب وأسس المساءلة السورية

محاكمة عاطف نجيب وأسس المساءلة السورية

مشاركة

الإشتراك

أحدث المقالات

 

فضل عبد الغني

بدأت في 26 إبريل/ نيسان 2026 المحكمة الجنائية الرابعة في دمشق إجراءات محاكمة الرئيس السابق لجهاز الأمن السياسي في درعا، عاطف نجيب، بتهم تتعلق بالقمع العنيف للاحتجاجات في أوائل عام 2011. وشكَّلت هذه الجلسة أول مثول لشخصية بارزة من النظام السابق أمام محكمة جنائية وطنية، في ظل السلطات الانتقالية السورية، بتهمة ارتكاب انتهاكات جماعية. وقد مثل نجيب أمام المحكمة، بعد القبض عليه في اللاذقية في 31 يناير/ كانون الثاني الماضي عقب عودته من لبنان. ووُجّه الاتهام غيابيا إلى ثمانية متهمين آخرين، من بينهم بشّار الأسد وشقيقه ماهر، نفى فيها نجيب التهم الموجهة إليه، ونسب إطلاق النار على المتظاهرين إلى أجهزة أمنية أخرى. ويبقى السؤال الأصعب ما إذا كان السجل القضائي الناتج عنها سيصمد أمام التدقيق القانوني.

تستند القضية إلى إطار قانوني مختلط؛ إذ يرتكز الاتهام على قانون العقوبات العام لسنة 1949، وقانون مناهضة التعذيب رقم 16 لعام 2022، وقانون مكافحة الإرهاب، والإعلان الدستوري الانتقالي الصادر في 13 مارس/ آذار 2025، وأحكام واردة في صكوك أخرى. ويُستعان بالقانون الدولي بوصفه إطاراً تكميليّاً وتفسيريّاً، بالرجوع إلى اتفاقيات جنيف، ونظام روما الأساسي، والقانون الدولي الإنساني العرفي. وقد وصفت المحكمة والنيابة العامة السلوك المنسوب إلى المتهمين بأنَّه جزء من هجوم واسع النطاق أو ممنهج ضد السكان المدنيين، وصنفتا بعض الأفعال بأنَّها جرائم حرب. ويثير هذا المزيج مشكلة بنيوية؛ فقانون العقوبات السوري لا يتضمن تعريفات للجرائم ضد الإنسانية، أو جرائم الحرب، أو الإبادة الجماعية، أو الاختفاء القسري، أو مسؤولية القيادة. كما أنَّ قانون مناهضة التعذيب يُعرّف التعذيب بعبارات أضيق من الواردة في المادة 1 من اتفاقية مناهضة التعذيب. ولم يُسنّ بعد أي تشريع جنائي انتقالي متخصص. ومن ثم، على المحكمة استنباط القانون الواجب التطبيق من خلال التفسير، وستتوقف القوة القانونية لأي حكم على جودة هذا التفسير.
تنطلق هذه المقالة من الإطار الدستوري، إذ تنص المادة 12 من الإعلان الدستوري الانتقالي على امتثال سورية للصكوك الدولية التي صادقت عليها في مجالي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. وقد انضمت سورية إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في إبريل/ نيسان 1969، وإلى اتفاقيات جنيف الأربع في نوفمبر/ تشرين الثاني 1953، وإلى البروتوكول الإضافي الأول في نوفمبر/ تشرين الثاني 1983، وإلى اتفاقية مناهضة التعذيب في أغسطس/ آب 2004. إلا أنَّ سورية لم تصادق على نظام روما الأساسي. ولم يُحسم قضائيًا بعد ما إذا كانت المادة 12 تعمل كآلية ذاتية التنفيذ تسمح للمحكمة بتطبيق تعريفات الجرائم الواردة في المعاهدات مباشرة، أم أنَّها تتطلب تشريعا تنفيذيًا. وتتباين الممارسات المقارنة بين الأنظمة الأحادية، مثل النظام الهولندي الذي يسمح بالتطبيق المباشر للاتفاقيات المصادق عليها، والأنظمة الثنائية التي تشترط صدور تشريع تنفيذي. وقد ينتج عن الحكم في قضية نجيب أول تفسير موثوق للمادة 12 في هذا الصدد، ولذلك ستحتاج المحكمة إلى معالجة المسألة صراحة بدلًا من افتراض أنَّها منتهية.

إشكالية عدم رجعية القوانين

تُثير المادة 49 من الإعلان الدستوري صعوبة ثانية، إذ تستثني الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة الجماعية المنسوبة إلى النظام السابق من الحماية من عدم رجعية الأحكام، مع الإبقاء على هذه الحماية للمتهمين الآخرين. ويتداخل التصميم الانتقائي لهذه المادة مع المادتين 15 و26 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. فتحظر المادة 15 تطبيق القوانين الجزائية بأثر رجعي، باستثناء السلوك الذي كان يُعدّ جريمة بالفعل بموجب المبادئ العامة للقانون المعترف بها من المجتمع الدولي. وتُلزم المادة 26 بالمساواة أمام القانون وبالحماية المتساوية دون تمييز. ويُثير استثناء عدم الرجعية المرتبط بالانتماء السياسي تساؤلات حول مدى سلامة كلا البندين. ويتمثل النهج الأكثر أمانًا في الاستناد إلى القانون الدولي العرفي، الذي كان يجرّم السلوك المعني قبل وقوعه، وينطبق على أي متهم بصرف النظر عن انتمائه. وتؤكّد مسودة مواد لجنة القانون الدولي المعنية بمنع الجرائم ضد الإنسانية والمعاقبة عليها لعام 2019، والسوابق القضائية الراسخة للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، أنَّ الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب تُعدّ من الفئات المستقرة في القانون العرفي. ويمكن أن تشكّل المادة 49 آلية محلية مكملة، لكنَّها لا ينبغي أن تكون الأساس الوحيد أو الرئيس لتجاوز الدفع بعدم رجعية القانون.
ينطبق المنطق نفسه على مدة التقادم، إذ تنص المادة 18 من الإعلان الدستوري على إلغاء التقادم في قضايا التعذيب. أما في ما يتعلق بالجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، فيستند قرار الاتهام إلى اتفاقية عام 1968 بشأن عدم انطباق التقادم القانوني على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، على الرغم من أنَّ سورية ليست طرفا فيها. فإذا اعتُبر الاستشهاد بهذه الاتفاقية التزاما بموجب معاهدة، فإنَّه لا يُحتج به ضد دولة غير طرف فيها. أما إذا اعتُبر دليلا على القانون العرفي، فيجب دعم هذا الاستنتاج بشكل مستقل. ويدعم الموقف المستقر في الممارسة الدولية قاعدة عرفية تقضي بعدم انطباق التقادم على الجرائم الدولية الأساسية، وينبغي للمحكمة أن تؤسّس تحليلها على هذا الأساس، بدلاً من الاعتماد على اتفاقية لم تصدّق عليها سورية.

توصيف الجرائم

يصنف قرار الاتهام السلوك المنسوب إلى نجيب أنَّه جزء من هجوم واسع أو ممنهج ضد السكان المدنيين. وبموجب المادة 7 من نظام روما الأساسي، وكما ورد في مسودة مواد 2019، يُعدّ هذا العنصر السياقي السمة المميزة للجرائم ضد الإنسانية. ويشمل السلوك المزعوم إصدار أوامر باستخدام القوة المسلحة ضد المتظاهرين السلميين، والمشاركة الشخصية في قرار اللجنة الأمنية في درعا الذي أجاز استخدام الذخيرة الحية، ونشر القناصة على المباني الحكومية، ومنع الإجلاء الطبي، وعرقلة عمل العاملين في المجال الطبي، وعمليات الاعتقال والتعذيب، والمشاركة في التستر على عمليات القتل في المسجد العمري. وتبدو العتبة السياقية متوافرة استناداً إلى الوقائع. إلا أنَّ الآلية القانونية التي تدخل من خلالها هذه الوقائع في القانون السوري ليست بالوضوح ذاته. فقانون العقوبات لا يتضمن العناصر التمهيدية للمادة 7. ولذلك، على المحكمة الاعتماد على المادة 12 لإدماج التعريف في القانون الوطني، بما يعيد التحليل إلى مسألة الذاتية التنفيذية. ويشير الاتهام أيضا إلى قواعد القانون الدولي الآمرة والمادة 53 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات أساساً لتوصيف الجرائم ضد الإنسانية. غير أنَّ هذا الاستناد يخلط بين قاعدة تتعلق بصحة المعاهدات وعناصر المسؤولية الجنائية الفردية. والمسار الأنسب هو تأسيس التوصيف على القانون الدولي العرفي كما هو مدوّن في المادة 7 من نظام روما الأساسي ومؤكد في مسودة مواد 2019.

أنماط المسؤولية الجنائية الفردية

يتناول قانون العقوبات السوري المشاركة من خلال التواطؤ، حيث يميّز بين الفاعل الأصلي والشريك، وينص على أنَّ المسؤولية تنشأ عن المشاركة أو التحريض أو إصدار الأوامر. وتدعم هذه الأحكام أساسًا قانونيًا محليًا لتحميل نجيب المسؤولية عن الأفعال التي ارتكبها مرؤوسوه تنفيذاً لأوامره. غير أنَّ قانون العقوبات لا يتضمن نصًا يقابل المادة 28 من نظام روما الأساسي بشأن مسؤولية القيادة، التي تحدّد مسؤولية القائد العسكري عن الجرائم التي ترتكبها القوات الخاضعة لقيادته وسيطرته الفعلية، إذا كان على علم بها، أو كان ينبغي له أن يكون على علم بها، ولم يتخذ التدابير اللازمة والمعقولة. ويعكس وصف المحكمة نجيب بأنَّه صاحب سلطة في محافظة درعا، وبأنَّه يتحمل مسؤولية القيادة المباشرة، هذا النهج، إلا أنَّ الأساس القانوني الوطني لمسؤولية القيادة كنمط مستقل لم يُحدّد بصورة منفصلة. وسيتعين على الحكم توضيح هذا الأساس صراحة لتجنب خلق نقطة استئناف يمكن تفاديها لاحقا.
تدعم الأدلة المتوافرة ضد نجيب نظريتين قويتين للمسؤولية. الأولى ارتكاب الجريمة من خلال شخص آخر، أي استخدام المرؤوسين أدوات عبر أوامر صريحة. والثانية المسؤولية عن إصدار تلك الأوامر بوصفها من أشكال التواطؤ بموجب القانون المحلي. وتستند كلتا النظريتين إلى سلوك إيجابي، لا إلى مجرد استنتاج. أما النظرية الثالثة، وهي مسؤولية القيادة القائمة على العلم والتقصير، فهي متاحة لكنَّها أكثر هشاشة. وبالنسبة إلى نجيب، يمكن للادعاء أن يبني قضيته على أوامر مباشرة ومشاركة شخصية في القرارات العملياتية، وسيعزّز التمسك بهذا الأساس متانة السجل القضائي للقضية. أما بالنسبة إلى الأسد، فالموقف التحليلي مختلف. فلن تتخذ الأدلة شكل أوامر محددة صدرت بحضوره على المستوى المحلي. ويجب إثبات المسؤولية إما من خلال أدلة موثقة على توجيهات قيادية صادرة عن الرئيس، مع سلسلة حيازة موثقة، أو من خلال استنتاج مستمد من الطابع المنهجي للانتهاكات ضمن نطاق سلطته القيادية. وينبغي للمحكمة أن تميّز بين هذين المسارين وأن تتجنب تقديمهما على أنَّهما متكافئان وظيفيا.

إطار جرائم الحرب

تستلزم جرائم الحرب وجود صلة بنزاع مسلح. ويشترط وجود عنف مسلح مطوّل بين السلطات الحكومية والجماعات المسلحة المنظمة، أو بين هذه الجماعات داخل الدولة. وينقسم هذا المعيار إلى عنصرين أساسيين: الشدة والتنظيم. وخلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سورية إلى أنَّ نزاعاً مسلحاً غير دولي نشأ في سورية في فبراير/ شباط 2012. وتوصلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى تقييم مماثل بحلول يوليو/ تموز 2012. أما احتجاجات درعا المبكرة في فبراير/ شباط ومارس/ آذار 2011، التي ركزت عليها الدورة الثانية، فقد وقعت قبل استيفاء هذا الشرط. فلم تكن الجماعات المسلحة المنظمة قد ظهرت بعد في مواجهة السكان المدنيين، كما أنَّ استخدام القوة المميتة من أجهزة أمن الدولة ضد المتظاهرين العزّل، مهما بلغت شدته، لا يشكل في حد ذاته نزاعا مسلحا بالمعنى القانوني. وتُعد الجرائم ضد الإنسانية الإطار الصحيح والكافي لتلك المرحلة.

المحاكمة الغيابية

تُجيز المادة 322 من قانون الإجراءات الجنائية إجراءات المحاكمة الغيابية إذا استُدعي المتهم رسميا، ولم يحضر، وكانت العقوبة المتوقعة تتجاوز ثلاث سنوات. وتنص المادتان 328 و329 على أنَّ الحكم الغيابي يُلغى بحكم القانون عند تسليم المدان أو القبض عليه، وأن تُجرى محاكمة كاملة بعد ذلك. ولذلك، فإنَّ الوظيفة الأساسية لمحاكمة الأسد الغيابية هي إعداد سجل قضائي موثق، لا تنفيذ الحكم. وتعتمد قيمة هذا السجل على سلامة الإجراءات، التي يحكمها في الوقت نفسه القانون الإجرائي السوري ومعايير العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتضمن المادة 14(3) (د) من العهد حق المتهم في حضور محاكمته. وينص التعليق العام رقم 32 للجنة حقوق الإنسان على جواز المحاكمات الغيابية في حال إخطار المتهم مسبقًا وبشكل كاف، ورفضه ممارسة حقه في المثول أمام المحكمة، مع احتفاظه بحقه في إعادة محاكمة كاملة عند مثوله. ويتحقق الشرط الثالث بموجب المادتين 328 و329. أما الشرطان الأولان فيفرضان عبئاً إثباتيّاً على النيابة العامة والمحكمة. ويؤكد السجل العام حتى الآن إصدار أوامر القبض والاستدعاءات الرسمية وإعلان حالة الهارب، لكنَّه لا يتضمن سجل إخطار وطريقة الإخطار. وهناك مسألتان إجرائيتان إضافيتان تستدعيان الانتباه. تتعلق الأولى بغياب محامٍ معيّن لتمثيل المتهم الغائب، أما الثانية فتتعلق بالحصانة الرئاسية. فالحصانة المرتبطة بمنصب رئيس الدولة تنتهي بانتهاء المنصب، وقد فرّ الأسد من الرئاسة في ديسمبر/ كانون الأول 2024، وهو ما يتوافق مع الإطار الذي يُعامل بموجبه الآن متّهماً هارباً.
إنَّ ما هو على المحك في هذه الإجراءات لا يقتصر على مسألة ما إذا كان نجيب سيُحاسب على أفعاله. فالسجل الإثباتي لأحداث درعا الأولى يبدو قويًا، والإدانة استنادا إلى أوامر مباشرة ومشاركة شخصية في القرارات العملياتية هي النتيجة المرجّحة. إنَّما تتمثل الأهمية الحقيقية لهذه المحاكمة في السند القانوني للسجل القضائي الذي ستخلّفه هذه الإجراءات. فسجل يتناول مسألة الذاتية التنفيذية، ويؤسّس توصيف الجرائم على القانون الدولي العرفي، ويفصل بين أنماط مسؤولية نجيب والأسد، ويحافظ على التمييز الزمني بين مرحلتي ما قبل النزاع والنزاع، ويوثق إخطار المتهمين الغائبين، سيشكّل أساسا محليا موثوقا لمزيد من المساءلة. وعليه، يختبر أول الإجراءات الجنائية في مرحلة ما بعد الأسد قدرة القضاء السوري على مواجهة انتهاكات الماضي. وستحدد المعايير القانونية التي تُرسى الآن الشروط التي ستُبنى عليها جهود المساءلة اللاحقة.

 نشرت المقالة الأصلية على موقع العربي الجديد

المواد ذات الصلة

الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان تدعو إلى كشف مصير آلاف المحتجزين السوريين المنقولين من شمال شرقي...

قوات سوريا الديمقراطية نقلت ما لا يقل عن 6,547 محتجزًا إلى العراق، بينهم 4,743 سوريًا، من بينهم...

الانتقام ليس عدالة.. على مسار الانتقال في سوريا أن يحوّل الغضب إلى محاسبة

فضل عبد الغني إنَّ العنف الانتقامي الذي يعقب انهيار نظام استبدادي فعلٌ غير قانوني ومدمّر، لكنه عند قراءته...

المحاكم الأوروبية والمحاكمات السورية والبنية غير المكتملة للمساءلة

فضل عبد الغني تطرح الجرائم الدولية المرتكبة في سوريا إشكالًا يتجاوز السؤال الإجرائي عن مكان انعقاد المحاكمة. فحين...

بدء محاكمة الضابطين السابقين خالد الحلبي ومصعب أبو ركبة في النمسا يمثل خطوة متقدمة في...

الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان وثقت 124 حالة اعتقال تعسفي و4 حالات اختفاء قسري في فترة رئاسة الحلبي...