الرئيسيةالبياناترأياستعادة سوريا حقوقها المؤسسية في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية

استعادة سوريا حقوقها المؤسسية في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية

مشاركة

الإشتراك

أحدث المقالات

 

فضل عبد الغني

في 9 من تموز/يوليو 2026، اعتمد المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية المقرر EC-112/DEC.7، الذي أعاد إلى سوريا الحقوق والامتيازات المؤسسية التي عُلِّقت في نيسان/أبريل 2021. وقدّمت دولة قطر مشروع المقرر، وشاركت في رعايته ست وستون دولة طرفاً أخرى، ليبلغ مجموع الدول الراعية سبعاً وستين دولة، واعتمد بتوافق الآراء. ولم يكن هذا المقرر منفرداً في تلك الجلسة؛ إذ اعتمد المجلس في اليوم نفسه ثلاثة مقررات مرتبطة به: خطة تفصيلية للتحقق من تدمير أسلحة كيميائية من الفئة الثالثة في القطيفة، واتفاقاً للتحقق المنهجي من منشأة التخزين في القطيفة، واتفاقاً مماثلاً لمنشأة التخزين في حمص. ويبيّن هذا الترابط أنَّ استعادة الحقوق جاءت مقترنة بترتيبات تشغيلية للتحقق والتدمير.

وتكمن أهمية المقرر في نتيجة التصويت، والأهم في التحول الذي يعكسه في مسار ملف الأسلحة الكيميائية السوري؛ إذ انتقل من مرحلة اتسمت بالاستخدام المتكرر، ثم إنكاره، وإخفاء المعلومات، وعرقلة التحقيقات في ظل نظام الأسد، إلى مرحلة تقوم على تعاون السلطات السورية الحالية مع المنظمة، وفتح المواقع والسجلات أمام فرقها، والعمل على الكشف عما تبقى من برنامج الأسلحة الكيميائية وتدميره. ومع ذلك، لا يغلق المقرر هذا الملف، ولا يقر باكتمال الإعلان السوري، ولا يمس المسؤولية الجنائية عن الهجمات الكيميائية، وإنَّما يعيد إلى سوريا حقوقها المؤسسية مع بقاء التزاماتها الموضوعية، واستمرار إجراءات التحقق والتحقيق.

استخدام الأسلحة الكيميائية وأساس التعليق

يستوجب فهم مقرر عام 2026 العودة إلى السبب الأصلي الذي أدى إلى تعليق حقوق سوريا في عام 2021. فلم يكن الأمر خلافاً تقنياً بشأن وثائق ناقصة أو مواد لم يُعلن عنها، بل جاء عقب تحقيق دولي خلص إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأنَّ القوات الجوية التابعة لنظام الأسد استخدمت الأسلحة الكيميائية في هجمات اللطامنة.

في عام 2018، أنشأت الدول الأطراف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية فريق التحقيق وتحديد الهوية (IIT)، وأسندت إليه ولاية تتجاوز إثبات وقوع الهجوم إلى تحديد الجهة المسؤولة عنه في الحالات التي تكون فيها بعثة تقصي الحقائق قد أثبتت استخدام مادة كيميائية سامة. وفي نيسان/أبريل 2020، أصدر الفريق تقريره الأول بشأن ثلاث هجمات وقعت في مدينة اللطامنة في ريف حماة في آذار/مارس 2017. وخلص التقرير إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأنَّ القوات الجوية التابعة للنظام استخدمت مادة السارين في هجومين، والكلور في هجوم ثالث استهدف مستشفى المدينة. وتكمن أهمية هذا التقرير في أنَّه لم يقتصر على إثبات وجود مواد كيميائية بصورة مجردة، بل حدد الجهة العسكرية المسؤولة عن هجمات بعينها.

واستناداً إلى هذا التقرير، اعتمد المجلس التنفيذي في 9 من تموز/يوليو 2020 المقرر EC-94/DEC.2 تحت عنوان “معالجة حيازة الجمهورية العربية السورية للأسلحة الكيميائية واستخدامها”. وتُظهر صياغة العنوان أنَّ المقرر لم يكن وصفياً، بل شكّل تدبيراً لمعالجة حالة عدم امتثال. كما تعكس صياغته العلاقة بين الاستخدام والحيازة غير المعلنة؛ إذ اعتبر المجلس أنَّ استخدام هذه الأسلحة يثبت، بطريق الاستنتاج المباشر، أنَّ الإعلان والتدمير السابقين لم يشملا كامل برنامج الأسلحة الكيميائية. ومنح المقرر السلطات السورية مهلة تسعين يوماً لاتخاذ ثلاثة تدابير: الإعلان عن المنشآت والمواد والذخائر المرتبطة بهجمات اللطامنة، والكشف عن جميع الأسلحة الكيميائية التي بقيت في حوزتها، ومعالجة أوجه النقص في إعلانها الأولي، أي البيان الذي قدمه نظام الأسد إلى المنظمة بعد انضمام سوريا إلى الاتفاقية عام 2013، والذي كان يفترض أن يتضمن جميع الأسلحة الكيميائية ومرافق إنتاجها وتخزينها، إلا أنَّ عمليات التحقق أظهرت أنَّه لم يكن دقيقاً ولا كاملاً. ولم يستكمل نظام الأسد أياً من هذه التدابير الثلاثة خلال المهلة المحددة، كما لم يتعاون مع فريق التحقيق وتحديد الهوية.

وعلى هذه الخلفية، اعتمد مؤتمر الدول الأطراف في نيسان/أبريل 2021 المقرر C-25/DEC.9، وعلّق ثلاثة حقوق مؤسسية هي: حق التصويت في مؤتمر الدول الأطراف والمجلس التنفيذي، وحق الترشح لعضوية المجلس، وحق شغل المناصب في المؤتمر أو المجلس أو هيئاتهما الفرعية. واستند التعليق إلى الفقرة 21(ك) من المادة الثامنة المتعلقة بصلاحيات المؤتمر في مسائل الامتثال، وإلى الفقرة الثانية من المادة الثانية عشرة، التي تجيز تقييد حقوق الدولة الطرف أو تعليقها إذا أخفقت في تنفيذ طلب اتخاذ تدابير لتصحيح الوضع. ولم يعلّق المقرر عضوية سوريا في الاتفاقية، ولم يعفها من التزاماتها المتعلقة بالإعلان، أو التفتيش، أو التدمير أو التعاون أو الامتناع عن استخدام الأسلحة الكيميائية، كما لم يمنعها من حضور الاجتماعات أو تقديم الوثائق.

مسار الاستعادة ولما يبقى قائماً

لم يؤدِّ سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى إنشاء دولة جديدة أو إلغاء الالتزامات الدولية السابقة. فالقانون الدولي يميز بين الدولة والحكومة، وظلت سوريا هي الدولة الطرف نفسها، مقيدة بالالتزامات ذاتها. وما تغيّر هو الإرادة السياسية للتعاون، ومدى قدرة المنظمة على الوصول إلى المواقع والوثائق والأشخاص. ففي شباط/فبراير 2025، زار المدير العام دمشق، وأكدت السلطات السورية اعترافها بجميع ولايات المنظمة، بما فيها ولاية فريق التحقيق وتحديد الهوية. ومنذ آذار/مارس 2025، أوفدت الأمانة الفنية فرقاً تابعة لمكتب البعثات الخاصة إلى مواقع معلنة ومشتبه فيها، حيث جمعت عينات، وأجرت مقابلات مع خبراء سابقين، وحصلت على وثائق لم تكن متاحة منذ أكثر من عقد. وفي 23 من تشرين الأول/أكتوبر 2025، أعادت الأمانة الفنية إنشاء وجود مستمر للبعثة في سوريا، يقوم على تناوب فرق متعددة التخصصات. وأظهرت هذه الأنشطة وجود مواد ومعدات وذخائر ومرافق لم يكن نظام الأسد قد أعلن عنها، فضلاً عن وثائق برنامجية واسعة النطاق. وفي 15 من حزيران/يونيو 2026، عدّلت السلطات السورية إعلانها الأولي، وأضافت منشآت ومواد وذخائر ومواقع تخزين لم تكن مدرجة فيه، وهو ما أكد التقييم الذي كانت الأمانة الفنية قد أعلنته منذ سنوات بأنَّ إعلان نظام الأسد لم يكن دقيقاً ولا كاملاً.

أما فيما يتعلق بمعيار التقييم، فقد ربط مقرر عام 2021 استعادة الحقوق بتأكيد المدير العام أنَّ سوريا استكملت جميع التدابير المطلوبة في تموز/يوليو 2020. غير أنَّ هذا المعيار لم يتحقق بالكامل؛ إذ ظلت تسع عشرة مسألة من أصل ست وعشرين مسألة أثارتها الأمانة الفنية دون حل حتى 29 من حزيران/يونيو 2026. ولمعالجة هذه الفجوة، مهّد المجلس التنفيذي الطريق باعتماد المقرر EC-110/DEC.1 في 8 من تشرين الأول/أكتوبر 2025 بشأن التدمير الميداني المعجل لبقايا الأسلحة الكيميائية، الذي شجّع مؤتمر الدول الأطراف على إعادة النظر في قرار التعليق إذا استمر التقدم في إزالة تلك البقايا. وفي 28 من تشرين الثاني/نوفمبر 2025، اعتمد المؤتمر المقرر C-30/DEC.8، الذي أوجد مساراً استثنائياً جديداً، إذ فوّض المجلس التنفيذي سلطة تقرير استعادة الحقوق مع مراعاة التقدم المحرز. ومن الناحية العملية، أتاح ذلك إعادة الحقوق قبل استكمال جميع التدابير المنصوص عليها في مقرر عام 2020، مع بقاء تلك التدابير والمسائل العالقة واجبة المعالجة. واقتصر هذا النهج على الظروف الخاصة بسوريا. واستند مقرر تموز/يوليو 2026 إلى هذا التفويض، ورأى أنَّ التعاون الفعلي مع الحكومة السورية، وفتح المواقع، وتقديم الوثائق، وتعديل الإعلان، تبرر استعادة الحقوق المؤسسية في المرحلة الراهنة، مع استمرار الإشراف.

ولا يترتب على استعادة الحقوق المؤسسية أي أثر فيما يتعلق بالمسؤولية الجنائية للأشخاص الذين خططوا للهجمات الكيميائية، أو أمروا بها، أو نفذوها، أو أسهموا في إخفاء الأدلة المتعلقة بها. وتظل وظائف تقصي الحقائق، والتحقيق، وتحديد الهوية قائمة، وإن أصبحت منذ حزيران/يونيو 2025 منسقة ومنفذة ضمن مكتب البعثات الخاصة. كما تبقى استنتاجات آلية التحقيق المشتركة، التي انتهت ولايتها في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، جزءاً من السجل الرسمي المتعلق باستخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا. وتواصل الأمانة الفنية حفظ المعلومات ذات الصلة وإتاحتها للآلية الدولية المحايدة والمستقلة وسائر هيئات التحقيق الأممية المختصة. وأشرت لهذا الأمر لأنَّه متصل بعمليات التدمير المقبلة؛ إذ يجب أن تشمل خطط التدمير توثيق المواقع والمواد، وأخذ العينات وحفظها وفق ضمانات سلسلة الحيازة، بما يكفل ألا يؤدي التخلص العاجل من المواد الخطرة إلى الإضرار بالتحقيقات الجنائية القائمة أو المقبلة. ويرجح أن يتطلب حجم المواقع والمواد والمسائل العالقة دعماً مالياً وتقنياً مستمراً يتجاوز المرحلة الراهنة. وقد قدّر تقرير المدير العام الاحتياجات الإضافية لعام 2027 بنحو 12.3 مليون يورو، مع الإشارة إلى استمرار الحاجة إلى موارد مالية وبشرية للبعثات المقبلة.

 نشرت المقالة الأصلية على موقع تلفزيون سوريا

المواد ذات الصلة

من الذي ينبغي له أن يحتفظ بالأدلة المتعلقة بسوريا؟

لماذا ينبغي لـــ «الآلية الدولية المحايدة والمستقلة» أن تتوسط في نقل وثائق النزاعات إلى المؤسسات الوطنية متاح بـ ...

الشبكة السورية لحقوق الإنسان تبحث مع نائب المبعوث الأممي أوضاع حقوق الإنسان ومسار العدالة الانتقالية...

متاح بـ العربية English دمشق، تموز/يوليو 2026: استقبلت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في مكتبها في دمشق السيد كلاوديو...

إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب: الدلالات والآثار القانونية

فضل عبد الغني في 8 تموز/يوليو 2026، أحالت الإدارة الأمريكية إلى الكونغرس قرارها المتعلق بإلغاء تصنيف سوريا دولةً راعيةً...

المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني يلتقي الرئيس الفرنسي ووزير الخارجية الفرنسي...

متاح بـ العربية English دمشق- الشبكة السورية لحقوق الإنسان بدعوة من وزارة الخارجية الفرنسية، شارك فضل عبد الغني، المدير...