مازال لدى قسد ما لا يقل عن 3705 مختفٍ قسريًا، كما قتلت 122 شخصًا تحت التعذيب منذ تأسيسها
متاح بـ
دمشق – أصدرت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان تقريرًا اليوم أكدت فيه على الضرورة العاجلة لصون مسارح الجريمة في مراكز الاحتجاز السابقة الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وقال التقرير إنَّ انتقال السيطرة على عدد من مراكز الاحتجاز في شمال شرق سوريا من قوات سوريا الديمقراطية إلى الحكومة السورية يمثّل تحديًا عاجلًا يتمثل في حماية الأدلة المرتبطة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ومنع ضياعها أو العبث بها. وقد رافق هذا التحول إفراغ بعض السجون أو نقل السيطرة عليها أو استمرار إدارة أخرى من قبل قوات سوريا الديمقراطية، ما ضاعف من أخطار فقدان أدلة حاسمة. ووفقًا لتوثيق الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان، شملت هذه المرافق سجونًا في محافظات الرقة والحسكة ودير الزور، وضمّت فئات متنوعة من المحتجزين، بينهم معتقلون على خلفيات سياسية وأمنية، وناشطون معارضون، وأشخاص محتجزون بقضايا جنائية، إضافة إلى نساء وأطفال، وعناصر من تنظيم داعش.
وتشير قاعدة بيانات الشَّبكة إلى أنّ قوات سوريا الديمقراطية تتحمّل مسؤولية واسعة عن أنماط احتجاز تعسفي وانتهاكات ممنهجة، شملت القتل والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز التابعة لها.
منذ تأسيسها في تموز/يوليو 2012 وحتى 23 كانون الثاني/يناير 2026، سجلت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان تورط قوات سوريا الديمقراطية في سلسلة من الانتهاكات الخطيرة بحق المدنيين. فقد وثقت الشَّبكة ما لا يقل عن 3705 حالات اختفاء قسري، تم خلالها احتجاز أشخاص دون الإفصاح عن مصيرهم أو أماكن احتجازهم، مما حرم ذويهم من أي معلومات رسمية. كما أدى التعذيب وسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز إلى مقتل 122 شخصًا، بينهم 5 أطفال و4 سيدات، شملت أنماطًا متعددة من الإيذاء الجسدي والنفسي. إلى جانب ذلك، تسببت أعمال العنف المباشرة في مقتل 1806 مدنيين، من بينهم 317 طفلًا و211 سيدة، في مؤشر واضح على حجم التأثير المأساوي لهذه الانتهاكات على المجتمع المدني. وخلال الفترة الممتدة بين 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 (تاريخ سقوط نظام بشار الأسد) و23 كانون الثاني/يناير 2026، قد وثقت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 204 مدنيين، بينهم 24 طفلًا و19 سيدة، كما وثّقت الشَّبكة ما لا يقل عن 819 حالة اعتقال تعسفي، إلى جانب ما لا يقل عن 15 شخصًا بينهم 1 طفل و2 سيدة قتلوا بسبب التعذيب وسوء المعاملة. ولا تزال عمليات التحقق والتحديث جارية. وتفرض خطورة هذه الانتهاكات اتخاذ إجراءات فورية لحفظ الأدلة وضمان المساءلة وإعمال حقوق الضحايا في إطار مسار العدالة الانتقالية.
يؤكد التقرير أنَّ انتقال السيطرة على مرافق الاحتجاز يعني أن تتحمل الدولة السورية مسؤولية قانونية مباشرة في التحقيق بالانتهاكات السابقة وصون الأدلة ومنع الإفلات من العقاب. ويُلزمها القانون الدولي بإجراء تحقيقات فورية ومستقلة وفعّالة في حالات الوفاة والانتهاكات الجسيمة، والتعامل مع مراكز الاحتجاز بوصفها مسارح جريمة، مع الحفاظ على سلسلة حيازة الأدلة. كما تفرض الصكوك الدولية الاحتفاظ بسجلات دقيقة والإبلاغ عن حالات الوفاة والتعذيب، وحفظ جميع المواد الإثباتية اللازمة للمساءلة القضائية الوطنية والدولية.
ويرى التقرير أنَّ الضرورات التشغيلية تبرز كعامل حاسم، إذ إنَّ أي خلل في جمع الأدلة أو حفظها أو توثيقها قد يؤدي إلى استبعادها قضائيًا، بما يقوّض حقوق الضحايا في الحقيقة والعدالة. وتُظهر التجارب السابقة أخطارًا حقيقية لفقدان الأدلة بسبب التدمير المتعمد، أو الوصول غير المنضبط، أو التدهور البيئي. وتُعد السجلات الإدارية، والبنية المادية لمرافق الاحتجاز، والأدلة الرقمية عناصر أساسية تتطلب إجراءات فورية، وسلسلة حفظ دقيقة، لضمان سلامتها وقابليتها للاستخدام القضائي.
وفي ختام التقرير دعت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان السلطات السورية إلى تأمين جميع مراكز الاحتجاز التي كانت تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية وأصبحت الآن تحت سيطرة الحكومة، بصورة فورية، عبر نشر أفراد أمن مدربين لإنشاء نطاقات حماية مادية، وتطبيق بروتوكولات دخول صارمة تشترط تصريحًا كتابيًا وتوثيقًا كاملًا، ومنع أي إزالة أو إتلاف أو نقل للأدلة من المواقع. كما أوصت السلطات بإصدار بيان علني يؤكد التزامها بصون الأدلة بوصفه مبدأً أساسيًا للمساءلة والعدالة. ودعتها إلى سن لوائح طارئة تنص على عقوبات جنائية بحق كل من يتلاعب بالأدلة أو يدمرها أو ينقلها من المواقع المحمية. كما طالب الحكومة السورية بالإسراع في إبرام اتفاقيات تعاون رسمية مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة لسوريا، واللجنة الدولية لشؤون المفقودين، ولجنة الأمم المتحدة للتحقيق، ومنح هذه الهيئات حق الوصول لجمع الأدلة وفق المعايير الجنائية الدولية. وأكدت على أهمية تطبيق بروتوكولات توثيق منهجية تشمل تسجيلات شاملة بالصور والفيديو، وإعداد سجلات مسرح الجريمة، وفهرسة جميع الأدلة بما يضمن تتبعها وإدارتها بموثوقية.
وأشارت أنَّه فيما يتعلق بمخيم الهول فينبغي اتخاذ إجراءات فورية لتوثيق هويات جميع المحتجزين وظروف احتجازهم، والشروع في إجراءات الإفراج القانونية عن المحتجزين دون سند قانوني، وصون جميع السجلات التي قد تثبت حالات فردية للاحتجاز التعسفي، وفصل الأسر، والوفيات أثناء الاحتجاز. بالإضافة إلى إنشاء مراكز معلومات تمكّن الأسر من الإبلاغ عن المفقودين وتقديم بيانات ما قبل الوفاة يعد أمرًا بالغ الأهمية لدعم جهود تحديد الهوية مستقبلًا.
وأكد التقرير أنَّه يمكن للأدلة الموجودة في هذه المراكز، إذا ما تمت حمايتها ومعالجتها بصورة مهنية، أن تلبي متطلبات المساءلة الجنائية، وكشف الحقيقة، وتحديد هوية الضحايا وبشكل خاص المختفين قسريًا الذين اختفوا من سنوات طويلة. وفي المقابل، فإنَّ ضياع الأدلة بسبب التلف أو التلوث أو العبث يمثل خسارة لا يمكن تعويضها، ليس فقط بالنسبة للملاحقات القضائية الفردية، بل أيضًا بالنسبة للسجل التاريخي الشامل للانتهاكات المرتكبة بحق الشعب السوري.




