متاح بـ
دمشق – الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان
في 18 شباط/فبراير 2026 صدر المرسوم رقم (39) لعام 2026، والمتضمن منح عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ صدوره. وإذ تدرك الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان تعقيدات المرحلة الانتقالية والحاجة إلى تدابير تسهم في تحقيق الاستقرار وإصلاح المنظومة العدلية، فإنَّها تؤكد أنَّ مثل هذه الإجراءات، ذات الأثر الواسع على الحقوق والحريات، تستوجب أعلى درجات الوضوح في أساسها الدستوري والقانوني، وتقتضي بيان نطاقها وضوابطها بما لا يخل بمبادئ المساءلة وسيادة القانون.
أولًا: مسألة الاختصاص وفق الإعلان الدستوري
ينص الإعلان الدستوري على مبدأ الفصل بين السلطات، ويحدد اختصاصات كل سلطة خلال المرحلة الانتقالية. وبحسب ما تقرره نصوصه بشأن توزيع الاختصاصات، تندرج صلاحية إقرار العفو العام ضمن مهام مجلس الشعب، في حين تقتصر صلاحية رئيس الجمهورية على منح العفو الخاص ورد الاعتبار.
وعليه، ترى الشَّبكة أنَّ إصدار عفو عام بصيغة مرسوم يثير تساؤلات دستورية تتعلق بالجهة المختصة وبالأداة القانونية الواجب اتباعها لإقراره في ظل الإعلان الدستوري النافذ، وهو ما قد يرقى إلى عيب في الاختصاص يمس جوهر المشروعية الدستورية للإجراء.
ثانيًا: أثر ذلك على سيادة القانون والفصل بين السلطات
تؤكد الشَّبكة أنَّ احترام قواعد توزيع الاختصاصات بين السلطات يشكل ضمانة دستورية تحول دون تداخل الصلاحيات، وتدعم مبدأ المساءلة، وتمنع إفراغ المؤسسات من أدوارها خلال المرحلة الانتقالية.
كما أنَّ التقيد بالإجراءات المنصوص عليها في الإعلان الدستوري يضمن توحيد الممارسة القانونية والمؤسسية، ويحد من التفسيرات المتباينة عند التنفيذ، ويعزز قابلية القرارات للرقابة والمراجعة القضائية، بما يرسخ الثقة العامة في شرعية التدابير المتخذة.
ثالثًا: الحاجة إلى وضوح المعايير والضمانات
يتضمن المرسوم استثناءات تتصل بـ “الانتهاكات الجسيمة بحقِّ الشعب السوري”، وهي صياغة عامة تحتمل تأويلات متعددة ما لم تُضبط بتعريفات قانونية دقيقة تحدد مضمونها ومعاييرها وحدودها.
وتشدد الشَّبكة على أنَّ أي إطار للعفو، ولا سيما إذا كان واسع الأثر، يجب أن يقترن بمعايير موضوعية محددة، وإجراءات شفافة، وضمانات قضائية فعَّالة، بما يكفل التطبيق المتسق ويمنع التفاوت في التفسير، ويحفظ حقوق الضحايا، ويحول دون أي آثار غير مقصودة على مسار المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
رابعًا: توصيات
- مراجعة الأساس الدستوري والإجرائي للمرسوم بما يضمن اتساقه مع نص الإعلان الدستوري وتوزيع الاختصاصات بين السلطات، ومعالجة أي شبهة متعلقة بعيب الاختصاص معالجة مؤسسية واضحة.
- توضيح تعريفات ومعايير الاستثناءات المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، وإعلان آليات تطبيقها وضمانات التحقق منها بصورة شفافة وقابلة للمراجعة.
- ضمان اتساق أي خطوات تتصل بالعفو العام مع الالتزامات الـمُعلنة بشأن العدالة الانتقالية المرتكزة على الضحايا، ومع مبادئ المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، وبما يصون الحق في الانتصاف الفعال.
- التأكيد على مبدأ خضوع القرارات والتدابير المرتبطة بتنفيذ المرسوم للرقابة القضائية، وعدم تحصينها، بوصف ذلك ضمانة جوهرية لحماية الحقوق وتوحيد التطبيق ومنع التعسف.
ختامًا
تؤكد الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان أنَّ معالجة آثار الحقبة السابقة وإصلاح قطاع العدالة يتطلبان مسارًا قانونيًا منضبطًا يوازن بين مقتضيات الاستقرار من جهة، ومتطلبات الشرعية الدستورية وحماية حقوق الضحايا من جهة أخرى، بما يدعم بناء مؤسسات دولة القانون على أسس سليمة ومستدامة.




