فضل عبد الغني
في السياقات الانتقالية، نادراً ما يكون الركام مادة محايدة، لا ينظر إلى الركام بوصفه مجرد مخلفات مادية للنزاع؛ فهو في آن واحد عائق إنساني، ومصدر خطر على السلامة العامة، وسجل جنائي تقني، ودليل قانوني محتمل، فالأنقاض تعوق الوصول إلى المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والمنازل، وتُخفي الرفات البشرية والذخائر غير المنفجرة.
وحين يشمل الموقع مرافق احتجاز أو مدافن أو رفاتاً مخفية، قد تحفظ الأنقاض آثاراً مادية ذات صلة بهجمات غير مشروعة على الأعيان المدنية، كما قد تسهم في كشف وقائع الاختفاء القسري، والتعذيب، وغير ذلك من الانتهاكات الجسيمة. وترث المرحلة الانتقالية في سوريا ما بعد الأسد هذه الشروط كلها دفعة واحدة. ومن ثم، فإنَّ أي إطار يتعامل مع إزالة الركام بوصفها مهمة لوجستية بحتة، أو بوصفها في المقابل مهمة إثباتية محضة، يسيء فهم المشكلة.
إنَّ الإغراء في الكتابة شديدة التنظير هو إرساء النقاش على قاعدة واحدة هي «حفظ الركام»؛ غير أنَّ القانون الدولي لا يتضمن مثل هذه القاعدة، فالإطار الواجب التطبيق إطار مركّب، والبعد الجنائي التقني هو الأكثر صرامة، فبروتوكول مينيسوتا يوفر التوجيه الأممي المركزي للتحقيقات في حالات الوفاة التي يُحتمل أن تكون غير مشروعة، بما في ذلك إدارة مسرح الواقعة، والانتشال، والتوثيق، وسلسلة الحيازة.
ويقتضي القانون الإنساني العرفي أيضاً من الأطراف منع انتهاك حرمة الموتى، وتسجيل المعلومات قبل التصرف في الجثامين بغرض التعرّف إلى هوياتها، وإدارة الرفات بكرامة. وفي سياق مثل سوريا، حيث تتداخل مكانياً وزمانياً المقابر الجماعية، ومواقع الاحتجاز، والمباني السكنية المقصوفة، والبنية التحتية المدنية المنهارة، تتلاقى هذه المعايير عند خلاصة واحدة: انتشال الرفات البشرية ليس عملاً عادياً من أعمال الإزالة، ولا ينبغي إسناده إلى مقاولين يعملون من دون توجيه جنائي تقني مختص.
ومن هذا الإطار المركّب، يبرز المبدأ التوجيهي المتمثل في الإزالة المراعية للأدلة، لا الحفظ الشامل. وليس هذا قاعدة معاهدية، بل معيار عملي مستمد من القانون الدولي، ومعايير الأعمال المتعلقة بالألغام، والممارسة الجنائية التقنية. ويستند إلى افتراض مفاده أنَّ واجب التحقيق، والحق في معرفة الحقيقة، وسلامة الملاحقات القضائية المستقبلية، تعتمد جميعها على قرارات تشغيلية تُتخذ قبل وقت طويل من وصول أي مدعٍ عام إلى الموقع.
وهذا المبدأ مشروط أيضاً؛ فهو يتراجع حين يخلق التأخير خطراً ملموساً على الحياة، وحين تتطلب المخاطر المتفجرة تدخلاً فورياً للتخفيف منها، وحين لا يمكن إرجاء حق السكان في العودة والمأوى والخدمات الأساسية إلى حين الحصول على اعتماد جنائي تقني. ومن ثم، فإنَّ المواءمة بين الإنقاذ والسلامة والأدلة ليست اختياراً بين قيم متنافسة، بل مسألة ترتيب زمني، وتوثيق، وإحالة.
ولجعل ذلك قابلاً للتطبيق، تحتاج السلطات السورية إلى اختبار موازنة قائم على خمس متغيرات: الخطر الفوري على الحياة؛ والتلوث بالذخائر المتفجرة؛ ووجود الرفات البشرية أو احتمال وجودها؛ واحتمال أن يحتوي الموقع أدلة على جرائم دولية خطيرة؛ وتوافر القدرة الجنائية التقنية، أو القدرة المتعلقة بالذخائر المتفجرة، أو الادعاء، أو التوثيق ضمن النافذة الزمنية ذات الصلة.
وهذا الاختبار ليس آلياً، فهو يتعامل مع كل متغير بوصفه قيداً قد يغيّر مشروعية الإزالة الفورية، وعتبة التوثيق، ووجوب إخطار سلطات التحقيق، كما يجعل القدرة متغيراً لا شرطاً مسبقاً، فغياب الموارد الجنائية التقنية لا يمكن، بذاته، أن يبرر فقدان الأدلة أو تلويثها على نحو يمكن تفاديه متى أمكن الاعتماد على تدابير أقل تدخلاً.
وينتج الإطار نفسه تصنيفاً خماسياً للمواقع، يجوز أن تمضي الإزالة الطارئة لإنقاذ الأرواح فوراً، مع توثيق سريع حيثما أمكن إجراؤه بأمان. وينبغي أن يتبع الإزالة العاجلة لأغراض السلامة العامة فرزٌ أولي لمخاطر الذخائر المتفجرة وتوثيق جنائي تقني موجز قبل استخدام الآليات الثقيلة، كما ينبغي أن تتطلب الإزالة المخطط لها لأغراض إعادة الإعمار توثيقاً سابقاً للإزالة وقابلية تتبع بلدية للأنقاض المنقولة.
وينبغي أن تؤدي مواقع الاشتباه بارتكاب جرائم دولية إلى إخطار سلطات التحقيق وإلى توثيق معزز، أما المواقع التي تحتوي على رفات بشرية أو يُشتبه في احتوائها على ذخائر متفجرة، فينبغي أن تخضع لسيطرة خبراء جنائيين تقنيين وخبراء في الذخائر المتفجرة، لا لمقاولي إزالة عاديين. وهذا مهم لأنَّ حفظ الأدلة يجب أن يشكّل قرار الإزالة ذاته، لا أن يكون إجراءً يُضاف إليه بعد نقل الركام.
وتشغل منظمات المجتمع المدني موقعاً محدداً لكنَّه محدود ضمن هذا الإطار، حيث يمكن للتوثيق المنظم أن يحفظ معلومات كان يمكن أن تضيع لولاه، وتوجد إرشادات معترف بها بشأن كيفية جمع هذه المواد من دون الإضرار بالمساءلة الجنائية.
وينبغي التعامل مع المعلومات الرقمية بما يتسق مع معايير بروتوكول بيركلي لتحديد مواد المصادر المفتوحة وجمعها وحفظها والتحقق منها وتحليلها. ولا يمكن أن يمتد هذا الدور إلى الحفر الجنائي التقني، أو التعامل مع الذخائر المتفجرة، أو انتشال الرفات البشرية من جانب غير المدربين.
وقد يؤدي الإخفاق في اتخاذ تدابير حفظ معقولة إلى إضعاف الإثبات اللاحق لوضع العين، ونوع السلاح، واتجاه الهجوم، والتناسب، والاحتياطات، والقصد، والعلم، ومسؤولية القيادة، والربط بمرتكبين محددين.
المقصود من هذا المقال ليس أنَّ كل جزء من هذا الركام يجب أن يُوثَّق، بل إنَّ إعادة الإعمار والمساءلة ليستا مسارين متعاقبين: فإما أن يبدأا معاً، أو يقوّض أحدهما الآخر.




