منذ 8 كانون الأول 2024 وحتى نهاية الربع الأول من عام 2026، عاد أكثر من ثلاثة ملايين سوري، بين لاجئ ونازح داخلي، فيما لا يزال ملايين آخرون يعيشون في ظروف اللجوء والنزوح
دمشق، 20 حزيران/يونيو 2026: قالت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها الصادر بمناسبة اليوم العالمي للاجئين إنَّ تزايد التركيز الدولي على عودة اللاجئين السوريين يأتي في ظل استمرار تحديات جوهرية تحول دون تحقيق عودة طوعية وآمنة وكريمة ومستدامة لجميع الراغبين في العودة. وذكر التقرير أنَّه منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وحتى نهاية الربع الأول من عام 2026، عاد أكثر من ثلاثة ملايين سوري، بين لاجئ ونازح داخلي، فيما لا يزال ملايين آخرون يعيشون في ظروف اللجوء والنزوح.
وأشار التقرير إلى أنَّ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 أزال أحد أبرز العوائق السياسية والأمنية التي كانت تحول دون عودة قطاعات واسعة من السوريين إلى مناطقهم الأصلية، لكنَّه لم يؤدِ إلى زوال بقية العوائق الأمنية، والقانونية، والاقتصادية، والخدمية. وقال إنَّ الفترة الممتدة من حزيران/يونيو 2025 وحتى منتصف عام 2026 شهدت تحولًا واضحًا في الخطاب الدولي، من التركيز شبه الحصري على أوضاع اللجوء والنزوح إلى بحث قضايا العودة وإعادة الإدماج والتعافي، مع استمرار التحذير من التحديات التي تواجه العائدين.
وبحسب التقرير، كان أكثر من 6.8 ملايين لاجئ سوري قد غادروا البلاد منذ آذار/مارس 2011 وحتى نهاية عام 2024، فيما تجاوز عدد النازحين داخليًا 6.9 ملايين شخص. ومنذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وحتى نهاية الربع الأول من عام 2026، عاد أكثر من 1.5 مليون لاجئ سوري من دول اللجوء إلى سوريا، كما عاد ما يزيد على 1.8 مليون نازح داخلي إلى مناطقهم الأصلية. ومع ذلك، ما يزال أكثر من 9 ملايين سوري في حالة لجوء أو نزوح داخلي حتى نهاية الربع الأول من عام 2026، ويحتاج نحو 15.6 مليون شخص داخل سوريا إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية.
يقول فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشَّبكة السورية لحقوق الإنسان: “تزايد أعداد العائدين لا يكفي بذاته للحكم على اكتمال شروط العودة. فالمعيار الحقوقي يتمثل في أن يكون قرار العودة حرًا ومستنيرًا، وأن يجد العائدون بيئة قانونية وآمنة، وخدمات أساسية، وسبل عيش تتيح لهم الاستقرار من دون خوف أو حرمان”.
وأكد التقرير أنَّ عودة اللاجئين يجب أن تستند إلى مبدأ الطوعية الكاملة، وأن تتم في ظل توفر الأمان والاستقرار والخدمات الأساسية وسبل العيش الكريمة. كما شدد على التزام الدول المستضيفة باحترام حق اللاجئ في اتخاذ قرار العودة أو الاستمرار في طلب الحماية، وبالامتناع عن تبني سياسات أو إجراءات مباشرة أو غير مباشرة قد تدفع اللاجئين إلى العودة بصورة قسرية أو تحت وطأة ضغوط قانونية أو معيشية.
ورصد التقرير سياسات وإجراءات في بعض دول اللجوء أسهمت في زيادة الضغوط الواقعة على اللاجئين السوريين. وذكر أنَّ جمهورية مصر العربية شهدت، عقب سقوط نظام بشار الأسد، تغيرًا في تعاملها مع السوريين؛ إذ وثقت الشَّبكة، في بيان صدر في نيسان/أبريل 2026، تدهورًا ملحوظًا في الأوضاع القانونية والإنسانية للسوريين المقيمين في مصر خلال الفترة الممتدة بين كانون الثاني/يناير ونيسان/أبريل 2026، شمل حالات احتجاز طالت لاجئين مسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وضغوطًا قانونية ومعيشية غير مباشرة. كما بقي ملف اللاجئين السوريين في لبنان في صلب النقاشات السياسية والإدارية المتعلقة بالعودة، وسط استمرار دعوات رسمية لتسريع العودة إلى سوريا.
وعلى صعيد النزوح الداخلي، قال التقرير إنَّ أزمة النزوح لم تنتهِ رغم عودة ما يزيد على 1.8 مليون نازح داخلي إلى مناطقهم الأصلية، وإغلاق عدد من مخيمات النزوح بين حزيران/يونيو 2025 وحزيران/يونيو 2026. وذكر أنَّ أعمال العنف في محافظة السويداء في تموز/يوليو 2025، والمعارك بين قوات الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية في شمال وشرق سوريا في كانون الثاني/يناير 2026، أدت إلى موجات نزوح داخلي جديدة لعشرات آلاف الأشخاص، كان بعضها مؤقتًا وبعضها الآخر ما زال مستمرًا، إضافة إلى تسجيل حالات لجوء إلى خارج سوريا.
وأشار التقرير إلى أنَّ نحو 1126 مخيمًا ما يزال قائمًا في شمال سوريا، منها ما يقارب 786 مخيمًا في محافظة إدلب ونحو 340 مخيمًا في ريف حلب، وتؤوي هذه المخيمات ما يقارب 700 ألف نازح. كما بيّن أنَّ الفيضانات والسيول التي ضربت عددًا من المناطق السورية يومي 7 و8 شباط/فبراير 2026 أظهرت استمرار هشاشة أوضاع المخيمات، ولا سيما في ريف إدلب الغربي، وأثرت في أوضاع آلاف الأسر النازحة.
وسجل التقرير تحسنًا موضعيًا في بعض الخدمات الأساسية، ولا سيما تغذية الكهرباء واستقرارًا نسبيًا في توفر المياه، لكنَّه أشار إلى ارتفاع تكاليف الكهرباء والمحروقات والمواد الأساسية منذ مطلع عام 2026. كما لاحظ تفاوتًا واضحًا بين المناطق في مستوى الخدمات والتعافي، واستمرار ضعف البنية التحتية في مناطق سيطرت عليها الحكومة السورية حديثًا مع نهاية كانون الثاني/يناير 2026، مثل أجزاء من الرقة ودير الزور.
وبيّن التقرير أنَّ الوضع الأمني شهد انخفاضًا كبيرًا في مستويات العنف المباشر المرتبط بالنزاع مقارنة بالسنوات السابقة، لكنَّه ما يزال متفاوتًا بين المناطق، في ظل استمرار عوامل هشاشة تشمل وجود السلاح غير المنضبط وبقاء أخطار أمنية محلية في بعض مناطق العودة. كما أكد أنَّ الوضع الإنساني والمعيشي ما يزال بالغ الحدة، إذ يعيش أكثر من 90 % من السكان تحت خط الفقر، ويعاني ملايين السوريين من انعدام الأمن الغذائي.
ووثقت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان، منذ سقوط نظام بشار الأسد وحتى حزيران/يونيو 2026، مقتل ما لا يقل عن 341 مدنيًا، بينهم 88 طفلًا و21 سيدة، نتيجة انفجار ألغام أرضية ومخلفات ذخائر عنقودية من مخلفات النزاع، من دون أن يعني ذلك في جميع الحالات تحديد الجهة التي زرعتها أو استخدمتها. ومن بين هؤلاء الضحايا 66 مدنيًا، بينهم 27 طفلًا و4 سيدات، قُتلوا منذ بداية عام 2026.
كما أشار التقرير إلى استمرار وجود أوضاع قانونية غير محسومة ومخاطر حماية، وإلى أنَّ الخطوات المعلنة للحد من أثر بعض مذكرات التوقيف ذات الطابع السياسي وتخفيف بعض قيود السفر لا تزال بحاجة إلى آليات تنفيذ واضحة ورقابة قضائية مستقلة. وذكر أنَّ عددًا كبيرًا من العائدين والسوريين عمومًا ما يزالون يواجهون صعوبات في إثبات الملكية أو استرداد المنازل والممتلكات المصادرة أو المتضررة، رغم اتخاذ الحكومة السورية خطوات أولية، من بينها إلغاء قرارات الحجز الاحتياطي بموجب قرار رئاسي صدر في أيار/مايو 2025.
وينطبق على الانتهاكات والتحديات الواردة في التقرير إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما الحق في الحياة، والحق في الحرية والأمان، وحظر الإعادة القسرية، وضمانات الإجراءات القانونية الواجبة، والحق في حرية الحركة، وحماية السكن والملكية. كما يظل القانون الدولي الإنساني ذا صلة بآثار النزاع المسلح، بما في ذلك أخطار الألغام والذخائر غير المنفجرة ومخلفات الذخائر العنقودية، فيما يظل القانون الجنائي الدولي إطارًا ضروريًا لتقييم الانتهاكات الجسيمة المرتبطة بالنزاع والتهجير القسري والمساءلة عنها.
وطالبت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان الحكومة السورية بتبني سياسة وطنية للعودة تستند إلى المبادئ الدولية لحقوق الإنسان، وإصدار تشريعات عادلة لمعالجة قضايا السكن والأرض والممتلكات، وخفض رسوم الوثائق الرسمية، وإطلاق برامج دعم فوري للعائدين، وتعزيز الأمن المحلي، وضمان تمثيل النساء والناجين والناجيات في عمليات صنع القرار. كما دعت الأمم المتحدة ووكالاتها إلى تعزيز الرصد المستقل لظروف العودة، ودعم هيئة العدالة الانتقالية السورية والهيئة الوطنية للمفقودين، وتمويل برامج إعادة الإدماج. وحثت الدول المضيفة على الالتزام بمبدأ عدم الإعادة القسرية، وتوفير بيئة قانونية آمنة للاجئين، واعتماد بدائل للاحتجاز، فيما دعت الدول المانحة والمجتمع الدولي إلى دعم برامج العودة والتعافي المبكر وإعادة الإعمار عبر آليات شفافة وخاضعة للرقابة، وربط التمويل بمبادئ حقوق الإنسان والعدالة والمساءلة وعدم التمييز.




