دعوة إلى ضبط السلاح وتعزيز المساءلة وحماية المدنيين وفتح حوار وطني جامع
متاح بـ
دمشق – أصدرت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان تقريراً اليوم وثَّقت فيه الأحداث والانتهاكات التي وقعت في ريف دمشق والسويداء خلال الفترة بين 29 نيسان/أبريل و4 أيار/مايو 2025، ودعت إلى ضبط السلاح، وتعزيز المساءلة، وحماية المدنيين، وفتح حوار وطني شامل.
وقال التقرير إنَّ مناطق في ريف دمشق والسويداء شهدت تصعيداً أمنياً واسعاً تخلّلته اشتباكات مسلّحة وهجمات متبادلة وانتهاكات جسيمة ضدّ المدنيين، بمشاركة قوى رسمية وشبه رسمية وفصائل محلية. وقد أسفرت تلك الاشتباكات عن قتلى وجرحى وأضرار مادية، في ظلّ تصاعد خطاب طائفي وغارات إسرائيلية، بما يبرز هشاشة الوضع والحاجة إلى استجابات انتقالية فعّالة.
اعتمد التقرير على عمليات توثيق ميدانية أُنجزت في ظروف معقّدة، وعلى شهادات محلية، وتحليل مواد بصرية، إضافة إلى مصادر طبية وإعلامية، للتحقُّق من الانتهاكات خلال التصعيد الأمني في ريف دمشق والسويداء (29 نيسان/أبريل–4 أيار/مايو 2025). وقد واجه جملة تحديات، من أبرزها تعقيد الوقائع، ومحدودية البيانات الرسمية، والمخاطر المحدقة بالشهود، وتأخر تدفُّق المعلومات، ما جعله توثيقاً جزئياً قابلاً للتحديث.
أشار التقرير إلى أنَّ الاشتباكات أدّت إلى مقتل 16 عنصراً من قوى الأمن العام وعدد من المدنيين، بينهم طفل، مع ورود أنباء عن حالات إعدام ميداني وقصف بطائرة مسيّرة «شاهين». كما أُصيب ما لا يقلّ عن 70 شخصاً، بينهم مدنيون وعناصر أمن ومتطوِّع في الهلال الأحمر، نُقل بعضهم بحالات حرجة. ونُفِّذت عمليات احتجاز، أُفرج عن معظم الموقوفين لاحقاً. ورغم محاولات رسمية وأهلية لاحتواء التوتّر، تكرّرت الاشتباكات، ما فاقم الوضع الإنساني وأدّى إلى نزوحٍ محدود لعائلات خشيت تفاقم العنف.
وأبرزت تلك الأحداث هشاشة الوضع الأمني والاجتماعي وتصاعد النزاعات ذات البعد الطائفي، بما يزيد المخاطر الإنسانية والانقسامات داخل المجتمع السوري.
ووثّق التقرير حصيلة التصعيد الأمني في جرمانا وأشرفية صحنايا وطريق دمشق–السويداء وعددٍ من قرى السويداء خلال الفترة التي يغطيها، حيث قُتل ما لا يقلّ عن 113 شخصاً، بينهم طفل، وتوزّعوا على: عناصر أمنية (27)، مدنيين ومسلّحين محليين (37)، ومن أبناء محافظة السويداء (49). كما أُصيب ما لا يقلّ عن 85 شخصاً، بينهم عناصر أمن ومدنيون وأطفال ونساء ومتطوِّع في الهلال الأحمر، بعضهم بجراح خطيرة. وسجّل الفريق احتجاز 112 شخصاً في أشرفية صحنايا، أُفرج عن 106 منهم وبقي 6 قيد الاعتقال، بينهم راجي فروج الذي ظهر في مقاطع مصوّرة مسلّحاً. ورُصد أيضاً استهداف مقام ديني في ريف السويداء، إضافةً إلى أضرار واسعةٍ في الممتلكات شملت عشرات المنازل واحتراق 15 منزلاً في قرية الصورة الكبيرة. ويُظهر ذلك خطورة الانتهاكات وتنوّع أنماطها بين القتل والاحتجاز والاستهداف الديني وتخريب الممتلكات.
ويبيّن التقرير أنَّ التصعيد في جرمانا وأشرفية صحنايا وطريق دمشق–السويداء (29–30 نيسان/أبريل 2025) يشي بجملة مؤشّرات أساسية، منها: استخدام أسلحة ثقيلة في مناطق مأهولة أوقع ضحايا، بينهم نساء وأطفال؛ وتوقيفات جماعية من دون ضمانات قانونية؛ واستهداف منشآت مدنية وممتلكات خاصة؛ وضعف قدرة السلطات على الاحتواء رغم إعلان التهدئة؛ وتفاوت الاستجابة المؤسسية؛ وتصاعد خطابٍ طائفي في وسائل الإعلام والفضاء الرقمي أثّر في الجامعات والسلم المجتمعي. ويوصي التقرير بضرورة تعزيز حماية المدنيين، والالتزام بالضمانات القانونية، وتفعيل الشفافية والمساءلة، ومكافحة خطاب الكراهية صوناً للاستقرار المجتمعي والحقوق الأساسية.
وخلص التقرير إلى أنّ التصعيد كشف هشاشة البنية الأمنية وضعف قدرة المؤسسات على ضبط السلاح ومنع المجموعات الخارجة عن القانون، مع تداخل أدوار الدولة والفصائل المحلية ووقوع احتجازاتٍ تعسفية من دون ضمانات. كما أظهر غياب الشفافية الرسمية وتصاعد اعتداءاتٍ ذات طابع طائفي طالت طلاب الجامعات، بما يهدّد السلم المجتمعي. وزاد التدخّل العسكري الإسرائيلي من تفاقم الانقسامات وتعقيد المشهد، ما يؤكّد الحاجة إلى إصلاحٍ أمني مؤسسي، وتعزيز الشفافية، وحماية الحقوق المدنية.
واختتم التقرير بعدد من التوصيات:
- إصدار إطار قانوني منظم لإدارة الأمن المحلي: إصدار قوانين انتقالية تُحدّد بوضوح مهام الأجهزة الأمنية، وتحظر تفويض الصلاحيات إلى مجموعات غير قانونية، بما يضمن الاحترافية والانضباط في تنفيذ المهام الأمنية.
- مراجعة العلاقة بين الدولة والمجموعات المحلية المسلحة: تقييم أية تفاهمات غير رسمية مع مجموعات محلية، والعمل على دمج هذه المجموعات – إذا لزم – ضمن مؤسسات الدولة عبر قنوات قانونية وتدريبية تُعزز أداءها وتخضعها للمساءلة.
- تشكيل لجنة مستقلة لتوثيق الانتهاكات: إنشاء لجنة مؤقتة مستقلة تضم ممثلين عن المجتمع المدني، تُعنى بمراجعة الأحداث الأمنية والاحتجازات والانتهاكات، وترفع توصياتها للسلطات المختصة.
- ضمان الحرية والأمان القانوني للمحتجزين: تدقيق ملفات المحتجزين وفق معايير العدالة، وضمان حقوقهم الأساسية، بما في ذلك الدفاع والتواصل مع الأسرة، مع الإفراج الفوري عمن لم يُثبت تورطهم في انتهاكات جسيمة.
- رفع مستوى الشفافية والتواصل المؤسسي: توصى السلطات بإصدار تقارير دورية رسمية تشمل معلومات محدثة عن الأحداث الأمنية، أعداد الضحايا، والموقوفين، بما يُعزز مناخ الثقة والمساءلة العامة.
- تعزيز دور المجتمع المدني في الوقاية والرصد: توسيع مجالات التعاون بين المجتمع المدني والمؤسسات الرسمية لرصد الانتهاكات وتقديم توصيات استباقية تسهم في الوقاية من العنف.
- إعداد خطة وطنية لضبط السلاح غير المشروع: وضع خطة تدريجية لنزع السلاح المنتشر خارج إطار الدولة، مع آليات واضحة للتنفيذ، تُرافقها برامج أمن مجتمعي تُعالج أسباب حمل السلاح، وتدعم الاستقرار المحلي.
- حظر خطاب الكراهية في الفضاءات العامة: إصدار تعليمات تنفيذية تمنع تداول أو نشر محتوى تحريضي في الجامعات ووسائل الإعلام، وتشكيل لجان داخلية للرقابة، مع ضمان المساءلة العلنية للمخالفين.
- التحرك الدبلوماسي لمواجهة التدخلات العسكرية الأجنبية: العمل على تفعيل قنوات الدبلوماسية مع الأمم المتحدة ومجلس الأمن لمواجهة الانتهاكات السيادية، والدعوة لتحقيق دولي مستقل في الهجمات الخارجية. كما يُوصى بإطلاق برامج وطنية لتعزيز الخطاب العام المشترك ومواجهة حملات التحريض الطائفي، بما يُسهم في بناء وحدة وطنية جامعة.




