الرئيسيةالبياناترأيمجلس الشعب السوري وقانون الحصانة البرلمانية

مجلس الشعب السوري وقانون الحصانة البرلمانية

مشاركة

الإشتراك

أحدث المقالات

فضل عبد الغني،

يعترف النظام الدستوري الانتقالي في سوريا بالحصانة البرلمانية، غير أنَّ مضمونها العملي يتوقف على النظام الداخلي لمجلس الشعب، الذي لم يُقَرّ بعد. فالمادة 25(2) من الإعلان الدستوري المؤرخ في 13 آذار/مارس 2025 تنص على تمتع أعضاء مجلس الشعب بالحصانة البرلمانية، في حين تخوّل المادة 30(و) المجلس صلاحية رفعها وفقاً لنظامه الداخلي. كما تجعل المادة 42 من المرسوم رقم 143 لعام 2025، الذي أقرّ النظام الانتخابي المؤقت، استحقاق هذه الحصانة مشروطاً بأداء القسم الدستوري. وتتفق إحالة تنظيم رفع الحصانة إلى النظام الداخلي مع الممارسة الدستورية المقارنة، إذ يتناسب هذا المستوى من التفصيل مع القواعد البرلمانية الداخلية أكثر مما يتناسب مع النص الدستوري ذاته. غير أنَّ هذا التوزيع للوظيفة التنظيمية يجعل صياغة النظام الداخلي المهمة الدستورية الأولى للمجلس.

وتستند الحصانة إلى مبدأ خلاصته أنَّ البرلمان لا يستطيع العمل باستقلال إذا كان بوسع النيابات العامة أو المحاكم أو الأجهزة الأمنية إقصاء أعضائه أو ترهيبهم أو إسكاتهم في لحظات سياسية حرجة. وتصف لجنة البندقية الحصانة البرلمانية بأنَّها حماية مؤسسية للبرلمان لا امتيازاً شخصياً، في حين يربطها الاتحاد البرلماني الدولي بقدرة البرلمان على تمثيل الجمهور وأداء وظائفه بمنأى عن المضايقة. ومن ثم، لا يتعلق السؤال بالامتياز الشخصي الذي يحصل عليه العضو، بل بالحماية التي يحتاج إليها المجلس لكي يؤدي دوره الدستوري. وهذا التصور المؤسسي هو المرجعية التي ينبغي أن يهتدي بها النظام الداخلي المرتقب.

وتتضمن الحصانة البرلمانية، في صورتها التقليدية، نوعين من الحماية. أولهما عدم المسؤولية البرلمانية، ومقتضاها عدم جواز مقاضاة العضو مدنياً أو جزائياً بسبب الآراء التي يعبّر عنها أو الأصوات التي يدلي بها في أثناء ممارسته مهامه النيابية، بما يشمل الكلمات التي يلقيها في الجلسات العامة، والتصريحات التي يدلي بها في اللجان، والتقارير التي يعدّها. والغرض من ذلك ضمان حرية النقاش وفعالية نقد السلطة التنفيذية من دون التعرض للملاحقة القضائية أو المطالبة بالتعويض أو التدابير الانتقامية الإدارية.

أما النوع الثاني فهو الحصانة الإجرائية، التي تقتضي عادةً الحصول على موافقة مسبقة من المجلس لاتخاذ تدابير محددة، مثل القبض أو الاحتجاز أو الملاحقة الجزائية بحق العضو عن أفعال غير متصلة بوظائفه النيابية، بخلاف عدم المسؤولية التي تحمي الآراء والأصوات البرلمانية حصراً، وإن كان نطاقها الدقيق يختلف من نظام إلى آخر. وتتمثل وظيفتها في منع توظيف الإجراءات الجنائية لإسكات أحد المنتقدين، أو تغيير موازين التصويت، أو ترهيب كتلة معارضة. وعلى خلاف عدم المسؤولية البرلمانية، يجوز رفع الحصانة الإجرائية.

ولا يقرّر الإعلان الدستوري أياً من هذين النوعين من الحماية على نحو صريح. فهو لا ينص على عدم مسؤولية مطلقة عن الآراء والأصوات البرلمانية، كما لا يحدد التدابير القسرية التي تستلزم إذناً مسبقاً من المجلس. وتؤكد المادة 30(و) إمكان رفع الحصانة، بما يفيد وجود بُعد إجرائي على الأقل، إلا أنَّ النص لا يوضح ما إذا كانت الحماية تشمل القبض، أو الملاحقة، أو التفتيش أو اعتراض الاتصالات. وهذه المسائل، وإن كان من الطبيعي أن يعالجها النظام الداخلي، تتطلب تحديداً صريحاً، إذ إنَّ ترك مضمون الحماية للممارسة السياسية أو للتفسير الظرفي يُفرغ الحق الدستوري من مضمونه ويجعله عرضة للتطبيق الانتقائي.

وتزداد المسألة أهمية بفعل التحول في طبيعة العمل التمثيلي، إذ لا تقتصر ولاية العضو على العمل داخل المجلس. فقد تكون تصريحاته على التلفزيون، أو في اجتماعات الدوائر الانتخابية، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو في إطار أنشطة الأحزاب السياسية، مرتبطة ارتباطاً مباشراً بمهامه التشريعية أو الرقابية، وقد لا تكون كذلك. ومن شأن توسيع نطاق الحصانة المطلقة ليشمل جميع الخطابات العامة أن يضع الأعضاء فوق قوانين التشهير والقوانين الجزائية العادية، في حين أنَّ قصر الحماية على الأقوال الصادرة فعلياً داخل قاعة الجلسات قد يستبعد أشكالاً معاصرةً ومشروعةً من التمثيل. ولذلك، ينبغي للنظام الداخلي أن يعتمد اختباراً وظيفياً يستند إلى ما إذا كان التصريح يشكل جزءاً أصيلاً من ممارسة المهام التشريعية أو التمثيلية أو الرقابية، وصادراً بحسن نية في إطارها.

ويتصل بذلك جانب يتعلق بحالة التلبس، أي الحالات التي يُضبط فيها العضو في أثناء ارتكاب الجريمة. فسكوت الإعلان الدستوري عن هذه المسألة يثير الغموض بشأن جواز القبض الفوري على العضو، والضمانات التي ينبغي توافرها عند إعمال هذا الاستثناء. وترى لجنة البندقية أنَّ الاستثناءات الواردة على الحصانة الإجرائية يجب أن تكون ضيقة النطاق ومحددة تحديداً دقيقاً، وأن تكون مصحوبة بمراجعة قضائية وبرلمانية فورية. وعلى النظام الداخلي أن يتبنى هذا المعيار صراحة، بحيث لا يتحول التلبس إلى ذريعة يُلتف بها على الحصانة من خلال توصيف متعسف لواقعة القبض.

ويُعد غياب إجراءات رفع الحصانة من أهم المسائل التي يجب أن يعالجها النظام الداخلي. فالمادة 30(و) تسند هذه السلطة إلى المجلس من دون أن تحدد الجهة التي يجوز لها تقديم طلب رفع الحصانة، أو الأدلة التي يجب إرفاقها به، أو ما إذا كان للعضو الحق في أن يُستمع إليه، أو أغلبية التصويت المطلوبة، أو ما إذا كان رفض الطلب يجب أن يكون معللاً. وتشير المادة 30(ح) إلى اتخاذ القرار بالأغلبية، إلا أنَّ الإعلان لا يحدد الأساس الذي تُحتسب عليه هذه الأغلبية ولا النصاب اللازم. ومن المهم، من الناحية التحليلية، التمييز بين رفع الحصانة وإسقاط العضوية بموجب المادة 25(1)، الذي يتطلب أغلبية الثلثين؛ فرفع الحصانة يسمح بمواصلة إجراءات محددة، في حين يؤدي إسقاط العضوية إلى إنهاء الولاية النيابية.

وينبغي لأي إجراء يمكن الدفاع عنه لرفع الحصانة أن يجيب عن سؤال محدد النطاق. فالمجلس ليس مختصاً بالفصل في الإدانة، إذ تظل تلك مسؤولية محكمة مستقلة. وإنَّما تتمثل مهمته في تحديد ما إذا كانت الإجراءات المقترحة تطبيقاً حقيقياً للقانون أم محاولة للمساس باستقلال البرلمان. وينبغي، في الأحوال العادية، رفع الحصانة عندما تقدم جهة قضائية مختصة أساساً واقعياً وقانونياً ذا مصداقية لاتخاذ إجراءات بشأن الرشوة، أو الاختلاس، أو العنف، أو غير ذلك من الأفعال غير المتصلة بالوظائف البرلمانية، شريطة أن تكون التدابير المطلوبة متناسبة، وألا تبدو الإجراءات موجّهة أو متلاعباً بها لأغراض سياسية. وينبغي الإبقاء عليها عندما يكون الغرض الحقيقي معاقبة النقد أو المعارضة التشريعية أو الخطاب المشمول بالحماية. وتعدّ لجنة البندقية هذا الضابط جوهر الحماية المؤسسية، إذ يجب منع الحصانة من التحول إلى وسيلة للإفلات من العقاب، من دون اختزالها في إجراء شكلي يترك استقلال البرلمان بلا حماية.

وينبغي أن يعكس النظام الداخلي نتيجتين إضافيتين. أولاً، لا ينبغي أن يكون للعضو حق التنازل منفرداً عن الحصانة الإجرائية، لأنَّ الإجراءات القسرية قد تمس المجلس بوصفه مؤسسة، لا مجرد المصلحة الخاصة للعضو. ثانياً، لا يشكل رفع الحصانة إقراراً بالإدانة، ولا يؤدي في حد ذاته إلى إسقاط العضوية. أما ما إذا كان الاحتجاز يعلّق المشاركة البرلمانية، وما إذا كان الحكم النهائي بالإدانة يُنهي العضوية، وما الجرائم التي تنشأ عنها حالة تعارض مع العضوية، فهي مسائل يقتضي النظام الداخلي معالجتها معالجة صريحة.

وهكذا، يكون إطار المرحلة الانتقالية في سوريا قد اعترف بالحصانة البرلمانية، وأحال تنظيم تفاصيلها إلى النظام الداخلي. ويعمل المجلس ضمن بنية ترجح فيها كفة السلطة الرئاسية، إذ يعيّن الرئيس سبعين عضواً من أعضائه تعييناً مباشراً. وتجعل هذه التركيبة وجود حصانة وظيفية قوية أمراً بالغ الأهمية، إذ يجب أن يكون الأعضاء قادرين على مساءلة الوزراء، والتدقيق في الإنفاق العام، ومعارضة مقترحات السلطة التنفيذية، من دون التعرض لملاحقات أو عمليات قبض ذات دوافع سياسية. وينبغي التعامل مع النظام الداخلي، الذي توجب المادة 29 إقراره خلال شهر واحد من الجلسة الافتتاحية، باعتباره من أولى القواعد التي ينبغي للمجلس إقرارها، وأولوية دستورية، على أن تُصاغ أحكامه المتعلقة بالحصانة استرشاداً بالمعايير المقارنة التي تضعها لجنة البندقية والاتحاد البرلماني الدولي. فالحصانة حماية للولاية البرلمانية، وليست إعفاءً من الخضوع لسيادة القانون، وسيتحدد المضمون العملي لهذا التمييز من خلال الكيفية التي سيصوغ بها المجلس قواعده الأولى.

 نشرت المقالة الأصلية على موقع تلفزيون سوريا

المواد ذات الصلة

الشبكة السورية لحقوق الإنسان مصدر رئيس للمعلومات في تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء حول الوضع...

متاح بـ العربية English دمشق، الشبكة السورية لحقوق الإنسان: أصدرت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء (EUAA) في تموز/يوليو 2026 تقرير...

الذنب الجماعي.. كيف نمنع عودة “الأسدية” في شكل جديد؟

فضل عبد الغني تملك سوريا ما بعد الأسد مصلحة مشروعة في ملاحقة الجرائم الدولية المرتكبة خلال حكم النظام...

تقرير مراقبة جلستين من محاكمة القضية رقم (1) لعام 2026 أمام محكمة الجنايات الرابعة في...

الجلستان المنعقدتان بتاريخ 26 نيسان/أبريل 2026 و10 أيار/مايو 2026 متاح بـ العربية English دمشق، - تموز/ يوليو 2026: قالت...

من الذي ينبغي له أن يحتفظ بالأدلة المتعلقة بسوريا؟

لماذا ينبغي لـــ «الآلية الدولية المحايدة والمستقلة» أن تتوسط في نقل وثائق النزاعات إلى المؤسسات الوطنية متاح بـ ...