“القانونان” 15 و16 لعام 2022 اللذان أصدرهما النظام السوري خلل في النص واستحالة في التطبيق

الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري فوق القوانين ولم تتم محاسبة أحد من المتورطين في جريمة التعذيب التي تشكل جريمة ضد الإنسانية

متاح بالـ

 

بيان صحفي:
باريس – قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها الصادر اليوم إنَّ “القانونان” 15 و16 لعام 2022 اللذان أصدرهما النظام السوري، إنما هما خللٌ في النص واستحالةٌ في التطبيق، وفنَّدت في أسباب ذلك، مشيرةً إلى أنَّ الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري فوق القوانين ولم تتم محاسبة أحد من المتورطين في جريمة التعذيب التي تشكل جريمة ضد الإنسانية.

وتحدث التقرير -الذي جاء في 12 صفحة- عن أنَّ النظام السوري أصدر مؤخراً القانون 16/ 2022 لتجريم التعذيب كردٍّ شكلي على الخطوة الهولندية/الكندية أمام محكمة العدل الدولية، مؤكداً أنه قانون يستحيل تطبيقه في ظل البيئة القمعية الموجودة، وترسانة القوانين التي تحمي الأجهزة الأمنية من المحاسبة، موضحاً أنَّ إصدار هذا القانون إنما هي محاولة شكلية من قبل النظام السوري لإظهار نوع من الالتزام بأحكام اتفاقية مناهضة التعذيب، التي انضمت سوريا إليها منذ عام 2004، ومع ذلك لم تتخذ منذ ذلك الوقت أي إجراء تشريعي، أو قضائي، أو إداري، أو توعوي، أو إعلامي لوقف ظاهرة التعذيب، أو المعاملة القاسية، أو المهينة، أو اللاإنسانية، الشائعة جداً في كافة أفرع الأجهزة الأمنية وأقسام الشرطة.

طبقاً للتقرير فإنَّ النظام السوري يتحكَّم بعملية التشريع بشكلٍ مطلق؛ لأنَّ السلطة التنفيذية/الأجهزة الأمنية في سوريا قد تغوَّلت على السلطة التشريعية، المتمثلة في مجلس الشعب (البرلمان)، الذي يهيمن حزب البعث منذ عام 1973 على قرابة ثلثي مقاعده، تساعده في ذلك سطوة الأجهزة الأمنية وترهيبها. إضافةً إلى ذلك، فإنَّ دستور 2012، أعطى كسابقه صلاحيات أسطورية لرئيس الجمهورية، تجتمع لديه السلطات الثلاث، التنفيذية، القضائية، التشريعية، وهو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، وبناءً على كلِّ ذلك، فإنَّ النظام السوري يستطيع أن يضع ما يشاء من قوانين، وأن يعدلها وفق مصالحه سواء عبر مجلس الشعب أو عبر الرئيس شخصياً تحت مسمى (مرسوم تشريعي).

أشار التقرير إلى أنَّ النظام السوري استحدث منذ سيطرة حزب البعث على السلطة عشرات التهم الجاهزة لإنزالها وتطبيقها ضدَّ من يريد من المواطنين، وبشكلٍ خاص المعارضين والنشطاء، كما سنَّ قوانين استثنائية وتشريعات تكمل ممارسات القمع عبر عمليات الاعتقال/ الاحتجاز التي تمارسها أجهزته الأمنية وما يتبعها من تعذيب وإخفاء قسري ومحاكمات بإجراءات موجزة كأداة لتطبيق عقوبة جماعية في وجه المجتمع بمختلف فئاته. وأوضحَ أنَّ قانون مكافحة الإرهاب وقانون العقوبات العام، وقانون العقوبات العسكري تعتبر من أبرز القوانين التي يحاكم بموجبها المعتقلون، وفي معظم الأحيان توجه المحاكم الاستثنائية مجموعة من التهم الرئيسة وتعممها على قضايا المعتقلين، وبذلك لا يواجه المعتقل تهمة واحدة، بل جملة من التهم، التي لا تستند إلى أدلة أو وقائع حقيقية.
وفي هذا السياق أشار التقرير إلى إصدار النظام السوري في الـ 28 من آذار المنصرم 2022، القانون رقم 15، المتضمن تعديل قانون العقوبات العام، وأوردَ التقرير التعديلات الرئيسة التي تضمنها القانون والتي تخصُّ المعتقلين على خلفية التعبير عن الرأي أو النزاع. ولاحظ التقرير أنَّ التعديلات التي أصدرها النظام السوري وفق القانون 15/2022 قد توسَّع فيها في الجرائم المستحدثة والمبهمة أكثر من قبل، لتشمل طيفاً أوسع من المدنيين لملاحقتهم عند ممارستهم أدنى أشكال التعبير عن الرأي أو النقد الموجه للسلطة، واعتقد أنَّ هذه التعديلات أُصدرت لمواجهة حالة الاحتقان الشعبي السائدة في المناطق التي تخضع لسيطرته حتى من قبل الموالين له؛ بسبب التدهور الاقتصادي والمعيشي الذي يعانيه المدنيون، وبالتالي يتم اعتقال كل من ينتقد أي شيء تقريباً، مما يساهم بشكلٍ أكبر في تعزيز قبضة السلطة الحديدية، ويشرعن عمليات الاعتقال.

وعلى صعيدٍ متصل قال التقرير إنَّ هناك خللاً هائلاً في نصوص القانون 16 لعام 2022 لتجريم التعذيب الصادر في 30 آذار 2022، مشيراً إلى خمسة أخطاء كارثية في نصِّ القانون تفرغه من أية فاعلية، وتجعل منه قانوناً بلا جدوى على أرض الواقع، وقد فصَّل التقرير في هذه الأخطاء بالاستناد إلى تحليله لنصوص القانون.

وطبقاً للتقرير فإنَّ النظام السوري شرعنَ جريمة التعذيب عبر العديد من القوانين والمراسيم، وعلى الرغم من أنَّ دستور عام 2012، يحظر الاعتقال التعسفي والتعذيب، وقانون العقوبات العام تضمن مواد تنصُّ على الحبس لكل من استخدم الشِّدة في أثناء التحقيق في الجرائم، ويحظر التعذيب في أثناء التحقيق، لكن هناك نصوصاً قانونية تعارض بشكلٍ صريح المواد الدستورية السابقة، وتُشرعن الإفلات من العقاب، إذ يتمتع كافة عناصر الأجهزة الأمنية الأربعة بحصانة من الملاحقة القضائية إلا إذا سمح رؤساؤهم بها، وعلَّق التقرير أنَّ الملاحقة القضائية المشروطة بالحصول على الموافقة المذكورة هي أمر غير دستوري وتغوّل على السلطة القضائية وينال من استقلالها عن طريق وضع قيد لا يسمح لها أن تمارس ولايتها الدستورية قبل موافقة أحد من مسؤولي السلطة التنفيذية كما ورد في النصوص التي حللها التقرير.
وفي هذا السياق قال التقرير إنَّ سوريا تحت حكم النظام السوري الحالي تُعاني من مشكلتين: الأولى على صعيد النصوص القانونية نفسها، الثانية: على صعيد تطبيق القانون. مؤكداً أنَّ التشريعات التي تحدث عنها والتي يفترض أنها نصوص قانونية لكنها في حقيقتها تُشكل انتهاكاً للقانون، هي في حقيقتها عبارة عن مراسيم ونصوص تُشرعن الجريمة، وتخالف حتى دستور عام 2012، وتنتهك القواعد الأساسية لحقوق الإنسان، ولهذا فهي تُشكل تكريساً للإفلات من العقاب، كما أنَّ عدم فتح النظام السوري أي تحقيق أو محاسبة لعنصر أمن واحد مهما كان منخفض الرتبة على خلفية عمليات التعذيب، ساهم كل ذلك في ارتفاع وتيرة التعذيب، وتفنن الأجهزة الأمنية بالتنسيق مع بعض الأطباء في المشافي العسكرية في ابتكار أساليب تعذيب جديدة أكثر وحشيةً وعنفاً، وقد تسبَّب ذلك في استمرار الوفيات بسبب التعذيب حتى يومنا هذا.

لفتَ التقرير إلى أنَّ قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان تُثبت أنه لا جدوى لقانون تجريم التعذيب ولأي تشريعات يسنها النظام السوري طالما هو المرتكب الرئيس لانتهاكات التعذيب والاعتقال/الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري منذ آذار/ 2011 حتى الآن، وقال إن َّما لا يقل عن 132667 شخصاً لا يزالون قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري في مراكز الاحتجاز التابعة لقوات النظام السوري بينهم 3658 طفلاً و8096 سيدة (أنثى بالغة) منذ آذار/ 2011 حتى آذار/ 2022. وقد تمكنَّ التقرير منذ مطلع عام 2018 حتى نيسان 2022 من توثيق ما لا يقل عن 1056 حالة لمختفين قسرياً كشف النظام السوري عن مصيرهم عبر دوائر السجل المدني بأنهم قد ماتوا جميعاً، وهو الذي كان قد أنكر وجودهم لديه، الأمر الذي جعل التقرير يرجح أنهم قُتِلوا بسبب التعذيب وإهمال الرعاية الصحية.
كما سجل التقرير منذ آذار/ 2011 حتى آذار/ 2022 مقتل ما لا يقل عن 14449 شخصاً قضوا بسبب التعذيب وإهمال الرعاية الصحية في مراكز الاحتجاز التابعة لقوات النظام السوري بينهم 174 طفلاً و74 سيدة. ولفت إلى أنه مما لا شك فيه أنَّ قانون تجريم التعذيب الأخير سيبقى حبراً على ورق ولن يسهم في ردع الأجهزة الأمنية عن ممارسة التعذيب ما دامت بقية القوانين القمعية سارية، وهي التي يقوم عليها النظام السوري.

أكد التقرير أنَّ الدولة تُسيطر بشكل مركزي على مراكز الاحتجاز التابعة لها وهذه المراكز الأمنية لا تخضع لأية رقابة قضائية من قبل النيابة العامة على الإطلاق، خلافاً لما ينص عليه قانون أصول المحاكمات الجزائية، ولذا فإنه من المستبعد أن تجري وفيات بسبب التعذيب دون معرفة النظام الحاكم في الدولة.
وقال إنَّ النظام السوري مسؤول عن إثبات أنَّ حالات الوفيات التي أبلغ عنها لم تكن بسبب التعذيب، وتسليم جثامين الضحايا إلى ذويهم، لكنه لم يقم منذ أحد عشر عاماً بتحقيقٍ واحد، وهذا لوحده يُشكل دليل إدانة واضح بحقه، إضافةً إلى ذلك فليس جهاز واحد فقط من أجهزة النظام السوري منخرط في التعذيب وفي الوفيات بسبب التعذيب، فهذا يتطلب اشتراك مؤسسات عدة في الدولة من أبرزها: وزارة الداخلية، وزارة الدفاع، الأجهزة الأمنية، النيابة العامة، الطب الشرعي، السجون المدنية، المشافي العسكرية، المؤسسة القضائية، وزارة الأوقاف، مكتب دفن الموتى، وهذا يُشير إلى عملية تناغم وتنسيق عالية بين هذه المؤسسات، وهذا لا يتم إلا بإدارة مستويات عليا في النظام السوري تتحكم بجميع هذه المؤسسات.
وبحسب التقرير لم يكتفِ النظام السوري بتوجيه التهم ومحاكمة المعتقلين وفق قانون العقوبات العام في المواد المتعلقة بالجرائم الواقعة على أمن الدولة وقانون العقوبات العسكري، ومحكمة الميدان العسكرية المحدثة منذ عام 1968، بل أصدر قانون الإرهاب الذي أورد خلاله مواد فضفاضة وتعريفات مفتوحة وعامة للعمل الإرهابي والمؤامرة، وأحدث محكمة جزائية استثنائية أخرى لقضايا الإرهاب، ليزجَّ من خلاله أكبر عدد من المعتقلين أمام محكمة قضايا الإرهاب وترك المجال أمام القضاة لشرح وتحليل التهم الموجهة وفق آرائهم، وهذا ما فتح الباب أمام عمليات الاستغلال والابتزاز المادي للمعتقل مقابل إطلاق سراحه أو تشميله في مراسيم العفو التي تصدر.
وأكَّد التقرير أنه في الأصل لا يوجد أساس قانوني لآلية تجريم المعتقلين وتوجيه التهم سواء وفق قانون مكافحة الإرهاب أو قانون العقوبات العام، وعادةً ما يستند ذلك إلى الاعترافات التي انتزعت بالتعذيب والإكراه وهي ليست محاكم بالمعنى القانوني والقضائي.

طالب التقرير مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة بإيجاد طرق وآليات لتطبيق قرارات مجلس الأمن 2041 و2042 و2139 والبند 12 في القرار 2254 الخاصة بالمعتقلين والمختفين قسرياً في سوريا. واتخاذ مجلس الأمن خطوات لإيقاف عمليات الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب والموت بسبب التعذيب داخل مراكز الاحتجاز التابعة للنظام السوري، وإنقاذ من تبقى من المعتقلين في أسرع وقت.
إلى غير ذلك من توصيات إضافية…

للاطلاع على التقرير كاملا