متاح بـ
دمشق – الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان
أصدرت وزارة الداخلية البريطانية مذكرة السياسة والمعلومات القطرية في 14 نيسان/أبريل 2026، مقدمةً تقييمًا سياسيًا شاملًا للمشهد السياسي وواقع حقوق الإنسان في أعقاب الإطاحة ببشار الأسد. ويغطي التقرير، على وجه التحديد، الفترة الانتقالية الممتدة من كانون الأول/ديسمبر 2024 حتى أوائل عام 2026، وتحديدًا منتصف شباط/فبراير. وتهدف المذكرة إلى توجيه صناع القرار في قضايا اللجوء، من خلال تقييم الوضع المتغير للحريات المدنية، وحرية الإعلام، والمخاطر التي يواجهها المنتقدون السياسيون والمعارضون السابقون لهيئة تحرير الشام في ظل إدارة الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع.
وذكر التقرير أنَّه منذ بداية المرحلة الانتقالية في عام 2024، توسعت حرية التعبير، إلا أنَّ حدودها لا تزال غير واضحة، كما تغيب معارضة منظمة. وأضاف أنَّه لا يوجد اضطهاد حكومي ممنهج، في حين جرى توثيق اعتقالات انتقائية. ويرى التقرير، المعني بتقييم أوضاع بلد طالبي اللجوء، أنَّ طلبات اللجوء المقدمة من السوريين تستدعي تقييمًا فرديًا يستند إلى الوقائع الخاصة بكل حالة، كما يشير إلى أنَّه من غير المرجح تصنيف هذه الطلبات على أنَّها “غير مبررة بوضوح” بموجب قانون الهجرة في المملكة المتحدة.
وتناول التقرير الإعلان الدستوري السوري لعام 2025، الذي تضمن حريات أساسية، لكنَّه أتاح في الوقت نفسه فرض قيود غامضة استنادًا إلى “الأمن القومي” أو “الأخلاق”. وعلى الرغم من تعليق العديد من قوانين الإعلام التي كانت سائدة في عهد الأسد، لا يزال القانون رقم 93 ساريًا، بما يتيح فرض رقابة الدولة على المجتمع المدني. كما يسلط المنتقدون الضوء على غياب الرقابة القضائية، والمفاهيم الديمقراطية، والحماية القانونية للمعارضين في سوريا.
وقال التقرير إنَّ فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشَّبكة السورية لحقوق الإنسان، ذكر في ورقة بحثية تقدم قراءة نقدية للإعلان الدستوري السوري: “إنَّ المادة تسمح بفرض قيود واسعة على الحقوق والحريات الأساسية بناءً على أسباب غامضة، مثل الأمن القومي، أو سلامة وحدة الأراضي، أو السلامة العامة، أو حماية النظام العام ومنع الجريمة، أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة، دون تحديد معايير الضرورة والتناسب بشكل واضح، ودون وضع آليات محددة للمراجعة القضائية… وفيما يتعلق بالحقوق والحريات، تفتقر المادة من الإعلان الدستوري، في شكلها الحالي، إلى الضمانات اللازمة، إذ تستخدم مصطلحات فضفاضة مثل الأمن القومي والنظام العام والآداب العامة، بما يتيح تفسيرات تعسفية يمكن استخدامها لتقييد الحريات الأساسية”. وأضاف: “لا يتضمن الإعلان الدستوري أي إشارة صريحة إلى المفاهيم والمبادئ الأساسية التي يُفترض وجودها في وثيقة تهدف إلى توجيه عملية الانتقال الديمقراطي. والأهم من ذلك، أنَّه لم يذكر السيادة الشعبية، وهي من المبادئ التي شكلت حجر الزاوية في الدساتير السورية السابقة وتعد أساسًا رئيسًيا للنظرية الديمقراطية الحديثة… إضافة إلى ذلك، لا ترد كلمة الديمقراطية في أي موضع من نص الإعلان، ما يثير تساؤلات حول مدى صدق الالتزام بالمبادئ الديمقراطية. ويقترن هذا الغياب اللغوي بتجاهل واضح لعدد من الحقوق الديمقراطية الأساسية، مثل الحق في التجمع والتظاهر السلمي، والحق في الإضراب وتشكيل نقابات عمالية مستقلة، والحق في الوصول إلى المعلومات الحكومية، والحق في المشاركة السياسية الفاعلة من خلال انتخابات نزيهة. وفي غياب هذه الحقوق، لا يمكن أن يقوم نظام ديمقراطي حقيقي. كما يتجاهل الإعلان الحاجة إلى إنشاء آليات تشاركية تضمن مشاركة شعبية حقيقية في صياغة الدستور الدائم للبلاد، سواء عبر برامج التثقيف المدني، أو المشاورات الشعبية الواسعة، أو الاستفتاءات العامة”.
ويذكر التقرير أنَّ سوريا شهدت، في مرحلة ما بعد الأسد، طفرة أولية في حرية التعبير والنقاش السياسي المفتوح، قبل أن تضيق هذه المساحة لاحقًا مع بروز “خطوط حمراء” تتعلق بالدين والأمن، الأمر الذي أدى إلى تنامي الرقابة الذاتية. كما يشير إلى أنَّ حرية الصحافة تحسنت بشكل كبير، إذ بات الصحفيون يتنقلون ويعدون تقارير عن موضوعات كانت محظورة سابقًا. ومع ذلك، لا تزال الأنظمة القائمة على الولاء مستمرة، إذ تفضل الحكومة المؤثرين المنحازين للدولة، في حين تفرض عقبات بيروقراطية، مثل التصاريح قصيرة الأجل والقيود الإقليمية، على وسائل الإعلام المستقلة. ويرى التقرير أنَّ رد فعل الحكومة الانتقالية تجاه الانتقاد يتسم بالانتقائية وعدم الاتساق، إذ يجمع بين التسامح والقمع. وبينما تصاعدت وتيرة الاحتجاجات العامة، اعتقلت السلطات نشطاء وصحفيين ومتظاهرين، ولا سيما في حماة والمناطق الساحلية. كما تواجه الأقليات مخاطر أكبر تتمثل في اتهامها بالخيانة أو العمالة لجهات خارجية.
ونقل التقرير عن فضل عبد الغني، مدير الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان، قوله: “صحيح أنَّ هناك تعقيدات وبيروقراطية. يجب عليهم، أي الحكومة، أن يكونوا أكثر شفافية، وهذا القانون يحتاج بالفعل إلى تغيير”. وأوضح قائلًا: “لكن هذا يحدث في كل مكان”. كما أشار عبد الغني إلى أنَّ الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان مسجلة الآن في سوريا، وتعمل بحرية، وهي قادرة على انتقاد الدولة، لافتًا إلى أهمية مراعاة السياق العام، إذ قال: “سوريا لا تزال مدمرة بسبب الصراع، وانظروا إلى ما ورثناه من نظام الأسد: الفساد، ونقص التمويل، ونقص الخبرة، والمؤسسات المدمرة. لقد التقيت بوزراء، وزرت الوزارات، وجميعهم يقولون إنَّهم يريدون الإصلاح، لكن الأمر ليس سهلًا”.
واعتمد التقرير على عدة مصادر حقوقية، أبرزها الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، إضافة إلى جهات دولية مثل إدارة الهجرة الدنماركية ووكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، اللتين تعتمدان بشكل رئيس على بيانات الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان.
وتؤكد الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان استعدادها الدائم للمساهمة في تقارير الدول والمنظمات الدولية بشأن حالة حقوق الإنسان في سوريا، وستبذل أقصى الجهود لنقل الانتهاكات والحوادث بموضوعية ومصداقية، وصولًا إلى حماية المدنيين، ومحاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات، وفتح مسار نحو الديمقراطية.
للاطلاع على التقرير كاملاً يرجى زيارة الرابط.




