متاح بـ
دمشق – عقدت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR) بالتعاون مع الممثلية الدائمة للجمهورية العربية السورية لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)في لاهاي، برعاية كلٍّ من أستراليا وألمانيا وفرنسا وهولندا وسويسرا، فعالية دولية بعنوان: “من التوثيق إلى المساءلة: الربط بين الآليات الوطنية والدولية بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا”، وذلك يوم الأربعاء الموافق 20 أيار/مايو 2026، وقد تزامنت الفعالية مع إطلاق النسخة الإنكليزية من كتاب الأستاذ فضل عبد الغني بعنوان: “استخدام نظام الأسد الأسلحة الكيميائية في النزاع ّالمسلح غير الدولي والحماية الروسية له في مجلس الأمن وعجز المجتمع الدولي عن منع تكرار استخدامها“، بهدف توقيع وتوزيع نسخ من الكتاب. وقد جمعت الفعالية دبلوماسيين بمن فيهم العديد من السفراء، وخبراء قانونيين ومدافعين عن حقوق الإنسان لمناقشة سبل تحويل الأدلة الموثقة على استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا إلى إجراءات مساءلة فعلية.
يمثّل ملف الأسلحة الكيميائية في سوريا أحد أكثر التحديات تعقيدًا أمام نظام الحظر العالمي؛ إذ كشف الاستخدام المتكرر لهذه الأسلحة خلال النزاع السوري عن قصور صارخ في مجالات تحديد المسؤولية والإنفاذ والمساءلة. وقد وثّقت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان 222 هجومًا بالأسلحة الكيميائية في سوريا منذ أول استخدام موثّق في 23 كانون الأول/ديسمبر 2012 وحتى 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، نفّذ نظام الأسد منها 217 هجومًا (نحو 98 %)، وأسفرت عن مقتل 1514 شخصًا، بينهم 214 طفلًا و262 امرأة، وإصابة أكثر من 11,080 آخرين، فيما نفّذ تنظيم داعش الهجمات الخمس المتبقية في محافظة حلب، وأسفرت عن إصابة 132 شخصًا. وعلى الصعيد الأممي، وثّقت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيميائية 32 مرة على الأقل، فيما أكدت بعثة تقصي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية استخدام هذه الأسلحة في 43 حادثة من أصل 58 حادثة حُقق فيها.
تضمنت الفعالية كلمات لعدد من الشخصيات الدبلوماسية والحقوقية البارزة، أبرزهم: الدكتور غريغوري فرينش، السفير الممثل الدائم لأستراليا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية؛ والسفير توماس شيب، الممثل الدائم لألمانيا لدى المنظمة؛ والسفير بِيل دي فرو، الممثل الدائم لهولندا؛ إلى جانب محمد كتوب، الممثل الدائم للجمهورية العربية السورية لدى المنظمة، والدكتورة ياسمين النحلاوي عن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا؛ وأديتيا مينون، رئيس قسم التحقيق والتحليل في الآلية الدولية المحايدة والمستقلة (IIIM). وقد أدارت الجلسة كاثرين بومبرغر، المديرة العامة للجنة الدولية لشؤون المفقودين، والاستشاري القانوني لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، السيد يوهان روتنباخ. كما أدلى فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان، بكلمة مفصّلة استعرض فيها المنظومة القانونية والإنسانية المحيطة بملف الأسلحة الكيميائية السورية، مستندًا إلى كتابه الأكاديمي وإلى سنوات من التوثيق الميداني.
استعرض عبد الغني أنماط الاستخدام بين عامَي 2012 و2019، مشيرًا إلى أنَّ بداياتها الأولى كانت في كانون الأول/ ديسمبر 2012 في حمص، قبل أن تتصاعد إلى ذروتها في 21 آب/ أغسطس 2013، حين نفّذ نظام الأسد هجومًا بغاز السارين على الغوطتين الشرقية والغربية. وأوضح أنَّ توثيق الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان يرصد مقتل 1144 شخصًا في هذا الهجوم، بينهم 99 طفلًا و194 امرأة، فضلًا عن إصابة نحو 5935 آخرين. وأشار إلى أنَّ فتك الهجوم تضاعف لأنَّ غاز السارين تسرّب إلى الأقبية التي لجأ إليها المدنيون هربًا من القصف التقليدي، فحوّل ملاجئهم إلى مواقع اختناق جماعي.
وخلص عبد الغني إلى أنَّ الأسلحة الكيميائية لم تُستخدم لتحقيق مكاسب عسكرية مباشرة، بل وُظِّفت أداةً للإرهاب والحصار والتهجير، وأنَّ أنماط استخدامها تشير بوضوح إلى سلسلة قيادة وسيطرة تمتد إلى أعلى مستويات القيادة العسكرية والسياسية السورية السابقة.
وفي معرض حديثه عن إخفاقات المساءلة، لخّص عبد الغني المشكلة بعبارة جامعة: “الأدلة موجودة، لكن المؤسسة القضائية القادرة على استخدامها غير موجودة”. فسوريا لم تصادق على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ولا تختص هذه المحكمة بالنظر في القضية إلا بموجب إحالة من مجلس الأمن، وهو ما عطّلته روسيا والصين باستخدام حق النقض في أيار/ مايو 2014. وعلى الرغم مما حققته آليات الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية من إرساء سجل وقائعي واسع، فإنَّ هذا الجهد لم يتحول حتى الآن إلى ملاحقات جنائية فعلية.
وتناول عبد الغني مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، مشيرًا إلى أنَّها أفرزت ظروفًا جديدة لم تُنه المعضلات القانونية والمؤسسية القائمة لكنَّها فتحت آفاقًا واعدة. ففي غضون الأشهر الماضية، حددت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية 26 موقعًا جديدًا لم يكن معلنًا سابقًا، إضافة إلى أكثر من 100 موقع يُشتبه في ارتباطه بالبرنامج الكيميائي. وأكد أنَّ تعاون الحكومة السورية الجديدة مع المنظمة، بما في ذلك إقرارها بولاية فريق التحقيق وتحديد الهوية، يُشكّل خطوة إيجابية تستحق التعزيز.
وأشار عبد الغني في هذا السياق إلى أنَّ قضية اللواء عدنان عبود حلوة، نائب مدير إدارة المدفعية والصواريخ في ريف دمشق، الذي خدم في الوحدتين 155 و157 المتهمتين باستخدام الصواريخ والأسلحة الكيميائية ضد المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، تمثّل اختبارًا ملموسًا لجدية المسار الجديد. وأوضح أنَّ الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان تصفه بأنَّه أحد أبرز الضباط المسؤولين عن مجزرة غاز السارين في الغوطة الشرقية في 21 آب/أغسطس 2013، وأنَّه لا يزال محتجزًا لدى السلطات السورية في دمشق اعتبارًا من نيسان/أبريل 2026، دون أن يتأكد علنًا الوضع الإجرائي لأي تحقيق قضائي بحقه، ولا ما إذا كانت الآلية الدولية المحايدة والمستقلة أو فريق التحقيق وتحديد الهوية أو أي سلطة ادعاء وطنية تمارس الولاية القضائية العالمية قد سعت إلى الوصول إليه. وأكد أنَّ احتجازه يُعدّ أحد التطورات القليلة الملموسة في مجال المساءلة منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، وأنَّ ضابطًا بهذا الموقع المؤسسي قادر، في حال تعاونه مع المحققين، على الإدلاء بشهادة حول التسلسل القيادي لهجوم الغوطة الشرقية، ودور مركز الدراسات والبحوث العلمية في إعداد الذخائر الكيميائية، وآلية الترخيص التي تربط القرار السياسي بالتنفيذ التكتيكي، وهي تحديدًا الثغرة الأكثر أهمية في السجل الإثباتي الحالي. وشدّد على أنَّ التزامات الحكومة السورية الجديدة، بموجب القانون الدولي العرفي والمادة السابعة من اتفاقية الأسلحة الكيميائية، تستوجب أن يُفضي هذا الاحتجاز إلى إجراءات قضائية تفي بالمعايير الدولية وتُتاح فيها للهيئات الدولية إمكانية الوصول، محذّرًا من أنَّ المحاكمة المتعجلة أو المعيبة إجرائيًا ليست شكلًا أدنى من العدالة، بل ضرر قائم بذاته قد يغلق باب إعادة المحاكمة ويشوّه سجلات الأدلة الموازية.
وطالب عبد الغني بإدراج ملف الأسلحة الكيميائية ضمن منظومة العدالة الانتقالية الشاملة القائمة على أربعة أركان: المساءلة الجنائية، وتقصي الحقيقة، وتعويض الضحايا، وضمانات عدم التكرار. وشدد على أنَّ الناجين وأسر الضحايا ليسوا مجرد شهود، بل هم أصحاب حق راسخ في الحقيقة والعدالة والتعويض وإعادة التأهيل.
وخلصت الكلمة إلى ضرورة سدّ الهوة بين التوثيق والمساءلة من خلال آليات قانونية مبتكرة تتجاوز الحواجز السياسية والمؤسسية الراهنة، في إطار التعاون بين القضاء الوطني والآليات الدولية. وأكد أنَّ السجل الواسع من الأدلة الذي أرسته منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ولجان التحقيق الدولية يمثّل أساسًا متينًا ينبغي توظيفه في مسارات الملاحقة القضائية على المستويين الوطني والدولي، سواء عبر تفعيل الولاية القضائية العالمية، أو إنشاء آليات قضائية متخصصة تضمن المحاسبة وتُحقق العدالة لضحايا الكيماوي وذويهم.




