متاح بـ
فضل عبد الغني
في 26 أيار 2026، أكدت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ما كان مفتشوها يشتبهون به فيه منذ فترة طويلة، لكنَّهم لم يتمكنوا من إثباته ماديًا: أنَّ إعلان نظام الأسد عام 2013 عن برنامجه للأسلحة الكيميائية كان احتيالًا متعمدًا.
فقد استعادت فرق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، العاملة إلى جانب الحكومة السورية الحالية في مواقع غير معلنة في المنطقتين الساحلية الشمالية والوسطى، أكثر من 70 صاروخًا وقنبلة جوية، وسلائف لغاز السارين، ومعدات للخلط والتخزين، ومادة الهيكسامين، وهي المادة المثبتة التي شكّلت دليلاً توقيعًا تقنيًا يربط قوات النظام بهجمات الغوطة واللطامنة.
كما عُثر على آلاف الصفحات من الوثائق إلى جانب الذخائر. وصرّح الممثل الدائم لسوريا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، محمد كتوب، بأنَّ 18 شخصًا يشتبه في تورطهم في البرنامج قد احتُجزوا، بينهم لواءات ترد أسماؤهم في قوائم العقوبات الأوروبية والبريطانية والأميركية.
لا تكمن الأهمية القانونية لهذا الاكتشاف في أنَّ سوريا في عهد الأسد كانت تمتلك أسلحة كيميائية لم تعلن عنها؛ فهذه الحقيقة أُثبتت تدريجيًا منذ عام 2014، حين حدد فريق تقييم الإعلانات (DAT) التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية لأول مرة الثغرات والتناقضات في الإعلان السوري الأولي. وبحلول تشرين الأول 2024، كان فريق تقييم الإعلانات (DAT) قد وثّق 26 قضية غير محسومة؛ وقدمت سوريا 20 تعديلًا على إعلانها الأصلي أقرت فيها بعناصر من البرنامج لم تكن قد كشفت عنها سابقًا.
كما قيّمت الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية رسميًا أنَّه لا يمكن اعتبار إعلان سوريا دقيقًا أو كاملًا بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية.
أما ما تضيفه نتائج أيار 2026 فهو التأكيد المادي: ذخائر سليمة، ومواد كيميائية سليفة، وبنية تحتية للإنتاج استُعيدت من مواقع لم يكشف عنها النظام قط. إنَّ التمييز بين إعلان غير كامل وإعلان مزور على نحو منهجي ومقصود تترتب عليه عواقب قانونية. فبموجب المادة الثانية عشرة من اتفاقية الأسلحة الكيميائية، يستوفي الإخفاء المنهجي بهذا الطابع الحد الأدنى للإحالة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن.
وقد حدد قرار مجلس الأمن رقم 2118، المعتمد بموجب الفصل السابع عام 2013، الإطار الذي تكتسب فيه مثل هذه الانتهاكات قوة ملزمة. إنَّ هذا التزوير كان عبارة عن برنامج مؤسسي للخداع حافظ عليه نظام الأسد طوال فترة امتثال سوريا الاسمي للاتفاقية.
وأعتقد أنَّ العثور على مادة الهيكسامين ينضوي على دلالة مهمة؛ إذ سبق أن حددت آلية التحقيق المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (JIM)، وفريق التحقيق وتحديد الهوية التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مادة الهيكسامين بوصفها مثبتًا أمينيًا مستخدمًا في عملية إنتاج السارين لدى النظام، بما يربطها جنائيًا بهجوم الغوطة في آب/ أغسطس 2013 وهجمات اللطامنة في آذار/ مارس 2017.
إنَّ استعادة هذه المادة إلى جانب أنواع من القنابل الجوية المتوافقة مع تلك المستخدمة في الهجمات الكيميائية الموثقة تعزز سلسلة الأدلة التي تربط البرنامج المؤسسي بأفعال استخدام محددة. وحتى الآن، أصدر فريق التحقيق وتحديد الهوية خمسة تقارير نسب فيها ست حوادث استخدام للأسلحة الكيميائية إلى قوات الأسد: ثلاث هجمات في اللطامنة خلال آذار 2017، وهجومًا في سراقب في شباط 2018، وهجوم دوما في نيسان 2018، إضافة إلى هجوم كفرزيتا في تشرين الأول 2016، الذي نسبه الفريق في تقريره الخامس الأخير الصادر في كانون الثاني 2026 إلى القوى الجوية السورية العاملة من خلال قوات النمر.
كما نسب التقرير الرابع حادثة منفصلة في مارع في أيلول 2015 إلى تنظيم داعش. ويثبت هذا السجل التراكمي، الذي جُمّع عبر خمسة تقارير وعلى مدى سنوات عدة من التحقيق، وجود نمط من الاستخدام المنهجي. ويمكن للوثائق والذخائر المستعادة حديثًا أن تسد الفجوة الأكثر استعصاءً في ذلك السجل: الصلة بين الوجود المؤسسي للبرنامج والتفويض العملياتي لهجمات محددة صادرة عن مسؤولين كبار يمكن تحديد هويتهم.
وتمثل هذه الفجوة التحدي الأبرز لأي ملاحقة جنائية تنشأ عن هذه الأدلة. فبموجب القانون الجنائي الدولي، يُعد إثبات وجود برنامج للأسلحة الكيميائية واستخدام تلك الأسلحة أمرًا ضروريًا، لكنَّه غير كافٍ لإثبات المسؤولية الجنائية الفردية. إذ يتعين على الادعاء أن يثبت أن مسؤولًا بعينه كان على علم بالمخزون، أو شارك في إخفائه، أو أصدر أوامر باستخدامه.
ويظل التمييز التقليدي بين الحيازة والاستخدام ذا صلة هنا؛ فالحيازة وحدها، رغم أنَّها تشكل انتهاكًا لاتفاقية الأسلحة الكيميائية يخل بمسؤولية الدولة، لا تؤسس مباشرة للمسؤولية الجنائية الفردية بموجب نظام روما الأساسي. ومع ذلك، في سياق نفى فيه نظام الأسد مرارًا وتكرارًا الحيازة، بينما حافظ على قدرة عملياتية مخفية، وحيث فُعّلت هذه القدرة بالفعل في مناسبات موثقة متعددة، لا تبقى الحيازة محايدة قانونًا.
ويمكن للمحاكم أن تستنتج القصد الجنائي من الإخفاء المؤسسي المستمر، عند تقييمه في ضوء نمط موثق من الاستخدام الفعلي. أما نظرية «الجريمة المستمرة»، التي يمدد فيها كل فعل من أفعال الإخفاء بعد الانضمام إلى اتفاقية الأسلحة الكيميائية نطاق المسؤولية الجنائية، فهي نظرية مقبولة فقهيًا، وقد تجد أقوى تطبيقاتها في إجراءات الولاية القضائية العالمية الأوروبية، حيث أظهرت المحاكم مرونة أكبر في تكييف عقيدة الجريمة المستمرة مع الجرائم المؤسسية المعقدة.
إنَّ الموقف التعاوني للسلطات السورية في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، واستعدادها لمنح منظمة حظر الأسلحة الكيميائية حق الوصول إلى المواقع غير المعلنة والتحقيق مع مسؤولي البرنامج المشتبه بهم، يؤدي وظيفة واضحة: تقديم سوريا كشريك مسؤول في مجال مكافحة انتشار الأسلحة الكيميائية، بهدف تخفيف العقوبات، وتمويل إعادة الإعمار، وإعادة التأهيل الدولي.
نشرت المقالة الأصلية على موقع صحيفة الثورة السورية




