متاح بـ
برلين، 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025
يوم الأربعاء، 19 تشرين الثاني/ نوفمبر، ستبدأ المحكمة الإقليمية العليا في كوبلنز محاكمة جديدة تتناول الجرائم المرتكبة في ظل نظام الأسد في سوريا. وللمرة الأولى، ستُناقش المحكمة حصار اليرموك، وهو مخيم سابق للاجئين الفلسطينيين في دمشق، بسبب التجويع الممنهج.
وجه مكتب المدعي العام الاتحادي الألماني اتهاماتٍ بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية ضد خمسة رجال يُشتبه في ارتكابهم جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. ويُحاكم الآن أربعة أعضاء مزعومين في ميليشيا “حركة فلسطين الحرة” السورية، وعميلٌ مزعومٌ للمخابرات السورية، بتهم القتل العمد، والتعذيب، والحرمان من الحريَّة، واستخدام أساليب حرب محظورة. ويُزعم أنَّهم شاركوا في القمع العنيف لمظاهرة سلمية ضد نظام الأسد في 13 تموز/ يوليو 2012. وفي أعقاب ذلك، حُوصِر سكان اليرموك، وحُرِمَ منهم الطعام والدواء والمساعدات الإنسانية. وأصبح “الحصار، والتجويع، والإجبار على الاستسلام” استراتيجية حربٍ استخدمها نظام الأسد لاستهداف مئات الآلاف من المدنيين بوحشية في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.
بعد مرور أحد عشر شهراً على سقوط نظام الأسد، تُعدّ قضية اليرموك مساهمةً مهمةً في عملية العدالة الانتقالية السورية. كما أنَّها تُمثّل أكبر محاكمة بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية حتى الآن.
لم يُكتب تاريخ اليرموك لأنَّ من كان بإمكانه سرده تعرض للتعذيب والتجويع والقتل أو الإجبار على الفرار. هذه المحاكمة بداية – محاولة لسدّ هذه الفجوة وإظهار للعالم أنَّ اليرموك لم يكن ضرراً جانبياً، بل مشروع تدمير متعمد. بدون هذه الحقيقة، لن يكون هناك عدالة ولا ذكرى تُشير إلى المستقبل،” تقول رهام هواش، المديرة الإقليمية لبرنامج اليرموك وسوريا في المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان.
على الرغم من أنَّها تُعدّ من الحوادث الرمزية لحرب نظام الأسد الوحشية وتدميره أحياءً بأكملها، إلا أنَّه حتى الآن، لم تُجرِ أي محكمة ألمانية تحقيقاً في الحصار والتجويع الممنهجين للسكان المدنيين في اليرموك. في عام 2023، أدانت المحكمة الإقليمية العليا في برلين (Kammergericht) أحد أفراد ميليشيا موالية للأسد بارتكاب جرائم حرب وقتل في اليرموك. مثّلت المحاكمة، التي رافقها المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، خطوة قانونية مهمة، إلا أنَّها وُجّهت إليها انتقادات لاقتصارها على جريمة واحدة وعدم تناولها بشكل كافٍ للطبيعة الممنهجة للحصار.
يقول أندرياس شولر، المدير المشارك لبرنامج الجرائم الدولية والمساءلة في المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان: “من شأن الإجراءات الجديدة أن تسدَّ هذه الفجوة، وأن تعالج قانونياً الحرب الوحشية التي شُنت على مناطق بأكملها. تُمثل هذه القضية جانباً مهماً من جوانب الانتقال إلى سوريا جديدة: التصالح مع جرائم الماضي الفظيعة”. ويضيف: “تكشف تجارب اليرموك عن أوجه تشابه مُقلقة مع الحاضر: ففي غزة، دُمرت منشآت المساعدات الإنسانية عمداً، وقُطعت طرق الإمداد، وتعرض المدنيون للخطر بسبب حرمانهم من الموارد الأساسية. إنَّ استخدام الجوع كسلاح – سواء في اليرموك أو غزة – يُعد جريمة حرب”.
لسنوات، لعبت الإجراءات القائمة على مبدأ الولاية القضائية العالمية دوراً محورياً في المعالجة القانونية للجرائم التي ارتكبها النظام السوري. والآن، يُتيح سقوط نظام الأسد فرصةً لتعزيز جهود العدالة الانتقالية في سوريا نفسها. ويمكن لجهود العدالة الانتقالية في سوريا أن تبني على السوابق التي أرستها إجراءات الولاية القضائية العالمية في دول ثالثة مثل ألمانيا.
يقول فضل عبد الغني من الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان: “يُمثل تركيز محاكمة كوبلنز على الحصار الممنهج لمخيم اليرموك لحظةً محوريةً في مسار العدالة الانتقالية السورية. فمن خلال دراسة التجويع كأسلوب حرب بموجب القانون الجنائي الدولي، يُرسي هذا الإجراء سوابق قانونية ومعايير إثباتية يُمكن للمؤسسات السورية دمجها في عمليات المساءلة الخاصة بها”.




