الرئيسيةتقاريرالأبحاثبين الاندماج والمساءلة: البنية القانونية والسياسية لإدارة المقاتلين الأجانب في سورية ما...

بين الاندماج والمساءلة: البنية القانونية والسياسية لإدارة المقاتلين الأجانب في سورية ما بعد الأسد – ورقة سياسات

مشاركة

الإشتراك

أحدث المقالات

مقاتلون يلوحون بعلامة النصر وهم يستقلون شاحنة في الأتارب، غرب محافظة حلب، شمال سوريا، في 28 نوفمبر 2024أ ف ب
مقاتلون يلوحون بعلامة النصر وهم يستقلون شاحنة في الأتارب، غرب محافظة حلب، شمال سوريا، في 28 نوفمبر 2024
أ ف ب

أصدر المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة تحليل سياسات جديداً من إعداد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، الأستاذ فضل عبد الغني، بعنوان «بين الاندماج والمساءلة: البنية القانونية والسياسية لإدارة المقاتلين الأجانب في سورية ما بعد الأسد» في 28 حزيران 2026. تتناول الورقة واحداً من أكثر ملفات المرحلة الانتقالية السورية حساسية، وهو وجود آلاف المقاتلين الأجانب الذين لم يعودوا إلى بلدانهم بعد سقوط النظام، وتحذّر من أن دمجهم في الجيش السوري الجديد من دون تدقيق أو مساءلة يهدد شرعية المؤسسات الأمنية منذ لحظة تأسيسها. وتدعو الورقة الحكومة الانتقالية إلى تعليق الاندماج غير المشروط للمقاتلين الأجانب إلى حين إرساء آلية تدقيق مستقلة، وتقترح بنية من ثلاثة أجزاء تجمع بين تصنيف قانوني قائم على السلوك، واندماج مشروط، وعدالة انتقالية تشمل جميع أطراف النزاع من دون استثناء.

تتخذ الورقة نقطة انطلاقها من أحداث 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، حين خاضت وحدات من القوات المسلحة السورية المشكّلة حديثاً أول مواجهة مسلحة لها مع فرقة «الغرباء»، وهي فصيل جهادي ناطق بالفرنسية رفض دعوة الحكومة الانتقالية إلى نزع السلاح والاندماج في البنية العسكرية الوطنية. وكانت المواجهة محدودة النطاق؛ غير أنها كشفت معضلة لم يُصمَّم النظام القانوني الدولي أصلاً لمواجهتها: ماذا يحدث حين لا يعود المقاتلون الأجانب الذين قاتلوا في صفوف معارضة مسلحة منتصرة إلى أوطانهم، في وقت لا يخضعون فيه لأي سلطة من سلطات الدولة التي ساهموا في قيامها؟

تذهب الورقة إلى أن سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 قد حوّل ملف المقاتلين الأجانب من مشكلة مكافحة إرهاب إلى تحدٍّ بنيوي داخل عملية بناء الدولة، وإعادة تنظيم القطاع الأمني، ومسارات العدالة الانتقالية. وتشير التقديرات إلى أن نحو 10,000 مقاتل أجنبي، قدِموا من روسيا والصين وآسيا الوسطى والبلقان وأوروبا الغربية، دعموا هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة معها على مدى أكثر من عقد من النزاع. وبحلول ربيع 2025، كان قرابة 3,500 منهم قد أُدرجوا في مسار للاندماج ضمن الفرقة 84 من الجيش السوري المعاد تشكيله. وقد مضت الحكومة الانتقالية، برئاسة الرئيس أحمد الشرع، في هذا الاندماج من دون معايير تدقيق صارمة أو إجراءات أهلية محددة، ومن دون ربطه بالعدالة الانتقالية، مع إرجاء مسألة جنسية المقاتلين ووضعهم القانوني برمّتها.

تحذّر الورقة من التعامل مع المقاتلين الأجانب بوصفهم كتلة واحدة. فتعريف «المقاتل الإرهابي الأجنبي» الذي كرّسه قرار مجلس الأمن 2178 يضع جميع المقاتلين العابرين للحدود في فئة واحدة من فئات مكافحة الإرهاب، بصرف النظر عن مشروعية سلوكهم بموجب القانون الدولي الإنساني؛ ومن ثم فإنه يطمس فروقاً ذات أهمية. ويحدد عبد الغني ثلاث فئات على الأقل بين مَن بقوا على الأراضي السورية بعد كانون الأول/ ديسمبر 2024: جهاديون مدفوعون أيديولوجياً، معظمهم من آسيا الوسطى وشمال القوقاز وشينجيانغ، أدّت وحداتهم، مثل كتيبتي الإمام البخاري ذات الغالبية الأوزبكية والتوحيد والجهاد، أدواراً عملياتية في الهجوم الأخير؛ ومقاتلون انضموا إلى الجماعات المسلحة من دون تولي أدوار قيادية أو تورط موثوق في انتهاكات؛ وأفراد أدّوا وظائف إدارية أو حوكمية في مناطق سيطرت عليها الجماعات المسلحة. وتشدد الورقة على أن أي سياسة عامة يجب أن تنطلق من التمييز بين هذه الحالات، لا من تصنيف جماعي وحده.

أما الأطر الدولية القائمة، فتجدها الورقة غير صالحة بنيوياً للسيناريو السوري. فنظام مكافحة الإرهاب، كما تبلور عبر قرارات مجلس الأمن، مبني على تجريم السفر إلى مناطق النزاع وإدارة العائدين؛ وهو لا ينظّم انتقال المقاتلين الأجانب إلى قوات الأمن في دولة خارجة لتوّها من النزاع. وتفترض مقاربات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR) مقاتلين محليين لهم روابط اجتماعية ومناطقية تسهّل إعادة إدماجهم. أما أطر العدالة الانتقالية، في صيغتها السورية المتداولة، فتميل إلى حصر اهتمامها في فظائع النظام السابق، تاركة بذلك الجرائم المنسوبة إلى المقاتلين الأجانب المتحالفين مع المعارضة خارج الاختصاص المؤسسي أو الأولوية السياسية. لذلك تواجه سورية وضعاً مركّباً تلتقي فيه الجنسية الأجنبية، وتصنيف إرهابي سابق أو قائم، واحتمال الاستيعاب في جهاز أمني سيادي، في حالة واحدة، من دون أن تكون أي بنية معيارية قائمة قد صُمّمت لهذا التقاطع.

ثم تستعرض الورقة السجل المقارن الذي يقدّم ثلاثة أنماط للفشل ذات قيمة تشخيصية مباشرة. الأول هو الاندماج من دون تدقيق، كما في ليبيا بعد عام 2011، حيث أدى وضع الجماعات المسلحة على جداول رواتب الدولة إلى حوافز معكوسة، وانتهى إلى تمويل استقلالية الفصائل بدلاً من إذابتها في مؤسسة موحدة. والثاني هو الإقصاء الشامل من دون مسارات لإعادة الإدماج، كما في اجتثاث البعث في العراق، الذي حوّل التدقيق إلى أداة للإقصاء المؤسسي وولّد مظالم غذّت العنف المسلح. والثالث هو فصل برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج عن التسوية السياسية، وهو ما وُثّق على نطاق واسع في أفغانستان، حيث افتقرت البرامج التقنية المنفصلة عن الاتفاق السياسي الأوسع، وعن المساءلة، إلى الشرعية والملكية والاستدامة. وتلاحظ الورقة أن الخطر في سورية هو الصورة المعكوسة للخطأ العراقي: ليس إقصاءً من دون بدائل، بل اندماجاً واسعاً من دون ضمانات للمساءلة. وفي الحالتين، العيب البنيوي واحد، وهو التعامل مع فئة مركّبة بوصفها كتلة واحدة عبر مسار واحد غير متمايز.

على هذا الأساس تقترح الورقة بنية تقوم على ثلاث ركائز متشابكة. الأولى تمييز قانوني يستند إلى السلوك الفردي أثناء النزاع لا إلى الانتماء الجماعي، يميّز في الحد الأدنى بين مَن توجد ضدهم أدلة موثوقة على جرائم دولية (جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وتعذيب)، ومَن شاركوا في الأعمال العدائية من دون أدلة موثوقة على انتهاكات جسيمة، ومَن تولوا وظائف إدارية. وينبغي توجيه كل فئة إلى مسارها الخاص: الملاحقة القضائية، أو الاندماج المشروط، أو إعادة الإدماج المدني. ويشدد المؤلف على أن هذا النموذج لن ينتج أي أثر ما لم يُفعَّل عبر تشريع وطني أو مرسوم تنفيذي واضح يحدد المعايير، ويسمّي الجهة المختصة، ويُخضع القرارات للمراجعة. كما يجب حسم مسألة جنسية المقاتلين ووضعهم القانوني بوصفها شرطاً مسبقاً للاندماج في القطاع الأمني، لا نتيجة تعقبه؛ فالممارسة الحالية المتمثلة في الاحتفاظ بقوة مسلحة من غير المواطنين من دون وضع قانوني مستقر هي، بتعبير الورقة، غير قابلة للاستمرار.

الركيزة الثانية اندماج مشروط يخضع للفرز والتدقيق ولمعايير حقوق الإنسان والحوكمة الأمنية. فعلى الصعيد الوطني، ينبغي للحكومة الانتقالية تعليق الاندماج غير المشروط للمقاتلين الأجانب في القوات المسلحة إلى حين إنشاء آلية تدقيق تستوفي المعايير الدولية، تكون مستقلة مؤسسياً عن القيادة العسكرية، وتستند إلى التوثيق الذي بحوزة منظمات حقوق الإنسان السورية والدولية، وتعمل وفق معايير يحددها القانون لا السلطة التقديرية التنفيذية. فمَن يجتازونها يُدمجون اندماجاً مشروطاً وتحت رقابة مستمرة؛ ومَن لا يجتازونها يُحالون إلى مسارات المساءلة أو، حيثما كان مناسباً، إلى برامج عودة مدعومة. وعلى الصعيد الدولي، تدعو الورقة منظومة الأمم المتحدة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج إلى تطوير وحدة تشغيلية متخصصة للمقاتلين الأجانب في سياقات ما بعد النزاع، تعالج تحديد الوضع القانوني، والتعاون العابر للحدود مع دول المنشأ، والتفاعل بين المشاركة في برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وعقوبات مكافحة الإرهاب، والربط الرسمي بين التدقيق ومسارات العدالة الانتقالية.

الركيزة الثالثة عدالة انتقالية تشمل جميع أطراف النزاع من دون استثناء، مقرونة بتعاون دولي منظّم. فالدول التي قاتل مواطنوها في سورية مدعوة إلى الانخراط البنّاء مع السلطات الانتقالية في تحديد منسّق للوضع القانوني، وتبادل المعلومات، وعمليات عودة منظمة. وتلاحظ الورقة أن رفض هذه الدول الطويل إعادة مواطنيها لم يفقد أهميته بسقوط النظام؛ بل ازداد تعقيداً، إذ لم يعد بعض هؤلاء المقاتلين محتجزين ينتظرون الإعادة إلى أوطانهم، بل غدوا أعضاء في بنى أمنية تابعة للدولة.

وتُختم الورقة بالتأكيد على أن النافذة المتاحة لإقامة هذه البنية ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية: فكل شهر من الاندماج غير المشروط من دون تدقيق، وكل فترة تعمل فيها مؤسسات العدالة الانتقالية بولاية انتقائية، يرسّخان ترتيبات مؤسسية تتناقص باستمرار قابليتها للإصلاح التدريجي. ويُظهر السجل المقارن أن أخطاء اللحظة الانتقالية المبكرة سرعان ما تتصلب لتغدو سمات دائمة لحوكمة ما بعد النزاع. ويخلص عبد الغني إلى أن سورية لا تزال عند نقطة يمكن فيها تصحيح هذه التشوهات؛ غير أن ذلك يتطلب خيارات مؤسسية حاسمة تُتخذ قبل أن يصبح الخلل جزءاً من البنية نفسها، إذ ستكون إدارة هذا الملف اختباراً مبكراً لقدرة سورية الجديدة على الموازنة بين الحاجة إلى الاستقرار وبناء الدولة من جهة، ومقتضيات المساءلة وسيادة القانون من جهة أخرى.

للاطلاع على البحث كاملا

المواد ذات الصلة

المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني يلتقي الرئيس الفرنسي ووزير الخارجية الفرنسي...

متاح بـ العربية English دمشق- الشبكة السورية لحقوق الإنسان بدعوة من وزارة الخارجية الفرنسية، شارك فضل عبد الغني، المدير...

الشبكة السورية لحقوق الإنسان تدين تفجيري دمشق وتطالب بتحقيقات فعالة ودعم دولي لقدرات الدولة السورية

متاح بـ العربية English دمشق- الشبكة السورية لحقوق الإنسان: تدين الشبكة السورية لحقوق الإنسان بأشد العبارات تفجير عبوتين ناسفتين...

هل يحد تعميم وزارة العدل من تأثير قانون الجرائم الإلكترونية؟

متاح بـ العربية English فضل عبد الغني  لا يعدّل التعميم رقم 26، الصادر عن وزارة العدل في 29 حزيران/يونيو...

الشبكة السورية لحقوق الإنسان مصدر أساسي للمعلومات في تقرير دائرة الهجرة الدنماركية حول الوضع الأمني...

التحسن النسبي في بعض المؤشرات لا يكفي بذاته لاعتبار العودة آمنة وكريمة ما لم يقترن بضمانات فعلية...