تحقيق عودة آمنة وكريمة يتطلب رؤية تعالج إرث سنوات من التدمير والانتهاكات
متاح بـ:
دمشق – 20 حزيران/يونيو 2025
أصدرت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان اليوم تقريرها السنوي بمناسبة اليوم العالمي للاجئين، والذي يرصد واقع عودة اللاجئين والنازحين السوريين بعد سقوط نظام بشار الأسد، ويقيّم التحديات المتبقية التي لا تزال تعيق عودتهم رغم التحولات السياسية الجذرية التي شهدتها البلاد. كما يقدم التقرير رؤية شاملة لتهيئة بيئة تسمح بعودة طوعية وآمنة وكريمة، تُبنى على أسس العدالة، والمساءلة، والشراكة الوطنية، والدولية.
أكد التقرير أنَّ سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، أنهى أبرز العوائق السياسية والأمنية التي حالت دون عودة السوريين لعقدٍ من الزمن. ومع ذلك، لا تزال العودة تواجه عراقيل بنيوية عميقة تتطلب معالجة جادة على مختلف المستويات، بما في ذلك القانوني، الإداري، الخدمي، الأمني، والاقتصادي.
وتُسهم الشَّبكة، في هذا الإطار، بالتعاون مع عدد من مكاتب الهجرة في دول اللجوء، ومنظمات دولية ومحلية، في إعداد تقارير وتحليلات حول سوريا كدولة منشأ للنزوح، وتقييم مدى توفر شروط العودة وفق المعايير الدولية.
إرث التهجير: أرقام كارثية ومؤشرات محدودة على العودة
حتى نهاية عام 2024، كان أكثر من 6.8 ملايين لاجئ سوري قد فروا إلى الخارج، وبلغ عدد النازحين داخلياً أكثر من6.9 ملايين شخص، يعيش معظمهم في ظروف لا ترقى إلى الحد الأدنى من الحماية أو الخدمات الأساسية. وتسببت هذه الأرقام غير المسبوقة في إنهاك قدرات الاستجابة الإنسانية، وأحدثت آثاراً عميقة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية لملايين السوريين.
منذ سقوط النظام وحتى منتصف عام 2025، تم تسجيل عودة نحو 500 ألف لاجئ و1.2 مليون نازح داخلي، وفق مصادر رسمية من الدول المضيفة وإدارات المعابر الحدودية ومفوضية اللاجئين. ومع أنَّ هذه الأرقام تحمل بوادر أمل إلا أنَّ هذه الأرقام لا تمثّل سوى جزء محدود من الحجم الإجمالي للمهجّرين، وتُبرز استمرار العقبات البنيوية أمام تحقق العودة الشاملة.
التحديات أمام العودة: واقع معقّد
تُبرز التقارير الميدانية للشَّبكة السورية لحقوق الإنسان أنَّ اللاجئين والنازحين العائدين يواجهون بيئة غير مهيّأة، تعاني من:
- صعوبات قانونية وإدارية في استعادة الملكيات بسبب فقدان الوثائق أو تعدد المرجعيات.
- رسوم مرتفعة لوثائق السفر تحول دون قدرة اللاجئين على إتمام إجراءات العودة.
- عبء مالي ذاتي بالكامل على العائدين في ظل غياب برامج دعم.
- دمار واسع في البنية التحتية والمساكن والخدمات الأساسية.
- وجود مخلفات الأسلحة من الذخائر غير المنفجرة والألغام والتي تسببت بمقتل ما لا يقل عن 220 مدنياً، بينهم 41 طفلاً و10 سيدات (أنثى بالغة)، في مناطق العودة، مما يهدد حياة السكان.
- تباطؤ مسارات العدالة الانتقالية، رغم تأسيس هيئة رسمية من قبل الحكومة الانتقالية.
- تفاوت في قدرة المناطق على استيعاب العائدين نتيجة غياب التخطيط أو الاستقرار المحلي.
- اضطرابات أمنية محلية واشتباكات ناتجة عن جماعات غير منضبطة أو تشكيلات سابقة.
- وضع اقتصادي هش، يتسم بارتفاع الفقر، ضعف الخدمات، وتدهور قطاعات التعليم والصحة.
- قصور التمويل الدولي، حيث لم تتجاوز التعهدات 12 % من الحاجات المعلنة لخطة دعم العائدين لعام 2025.
رؤية الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان: نحو خطة وطنية مدعومة دولياً
تؤكد الشَّبكة بأنَّ تحقيق العودة الطوعية الآمنة والكريمة يتطلب نهجاً وطنياً شاملاً وشراكة حقيقية مع المجتمع الدولي، ويقوم على المبادئ التالية:
- تهيئة بيئة قانونية وآمنة عبر استقلال القضاء، ومعالجة ملف الملكيات والوثائق.
- إعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية في مناطق العودة.
- تفعيل هيئة العدالة الانتقالية بدور فعّال ومستقل، وضمان إشراك الضحايا والمجتمع المدني.
- ضبط التهديدات الأمنية وتفكيك الجماعات الخارجة عن القانون.
- إطلاق برامج اقتصادية داعمة للعائدين، وتوفير سبل العيش المستدام.
- ضمان تمثيل اللاجئين والنازحين في رسم السياسات الوطنية ذات الصلة.
- تعزيز الرقابة الدولية على برامج العودة بالتنسيق مع وكالات الأمم المتحدة.
توصيات إلى الأطراف المعنية
أولاً: إلى الحكومة السورية الانتقالية
- وضع سياسة وطنية لعودة اللاجئين والنازحين تضمن الشفافية والعدالة وعدم التمييز.
- معالجة القضايا العقارية والوثائق الرسمية وتسهيل الحصول عليها.
- إطلاق برامج دعم مالي وسكن مؤقت وربطها بخطط إنعاش محلية.
- تعزيز الأمن عبر قوى مدنية منضبطة، وضبط السلاح غير النظامي.
- ضمان مشاركة النساء والناجين/ات من الانتهاكات في صنع القرار.
- إدارة شفافة للتمويل الدولي بالتعاون مع رقابة مستقلة.
ثانياً: إلى الأمم المتحدة ووكالاتها
- إنشاء آلية رقابة مستقلة لمتابعة ظروف العودة وتوثيق الانتهاكات.
- دعم هيئة العدالة الانتقالية فنياً وتقنياً، وتوثيق ملفات الإخفاء القسري.
- تمويل برامج إعادة الإدماج والدعم النفسي والتمكين الاقتصادي.
- إشراك المنظمات السورية المستقلة في الرصد والمتابعة.
- وضع خطط حماية خاصة للفئات الهشة.
ثالثاً: إلى الدول المضيفة
- احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية.
- توفير بيئة قانونية وخدمات أساسية للاجئين.
- تسهيل إصدار الوثائق الرسمية بالتنسيق مع البعثات السورية.
- دعم التوعية بحقوق اللاجئين وظروف العودة.
- تقديم المساعدة في نقاط العبور خلال العودة الجماعية.
رابعاً: إلى الدول المانحة والمجتمع الدولي
- دعم جهود الحكومة الانتقالية في إعادة الإعمار ضمن إطار حقوقي.
- ربط التمويل بمبادئ العدالة دون فرض وصاية سياسية.
- إزالة العراقيل الدولية التي تعيق العودة، ومنها بعض العقوبات أو القيود الإقليمية.
- تمويل مشاريع مصالحة مجتمعية وبناء سلام محلي.
في هذا اليوم العالمي للاجئين، تؤكد الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان أنَّ العودة ليست ممكنة بمجرد سقوط النظام، بل تتطلب معالجة متكاملة لإرث من التهجير والانتهاكات. وهي مسؤولية جماعية لا يمكن تحقيقها دون إرادة سياسية وطنية، ودعم دولي حقيقي، والتزام أخلاقي بكرامة وحقوق اللاجئين السوريين.




